13/10/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يديمكم ويحفظكم سيّدي وجميع العاملين على هذا الموقع المبارك.
ما المقصود بنكاح الغيلة؟
وما هو حكم هذا النكاح؟
وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الاسم: معاذ عبد الرحمن
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على دعواتك الطيّبة ولك بمثل ما دعوت وزيادة.
المقصود بنكاح الغيلة هو وطء الحامل أو المرضع وحكمه الجواز.
المقصود بنكاح الغيلة (جماع مرضع أو حامل) فيض القدير شرح الجامع الصغير (5/280)، شرح الزُّرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (4/436).
أمّا حكمه فقد بيّنه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله ومَنْ والاه فقال:-
(لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
و قال الإمام النووي رحمه الباري سبحانه:-
(وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ الْغَيْلُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ يُقَالُ مِنْهُ أَغَالَ الرَّجُلُ وأغيل اذا فعل ذلك وقال بن السِّكِّيتِ هُوَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ يُقَالُ مِنْهُ غَالَتْ وَأَغْيَلَتْ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ هَمِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يَخَافُ مِنْهُ ضَرَرَ الْوَلَدِ الرَّضِيعِ، قَالُوا: وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ دَاءٌ وَالْعَرَبُ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيهِ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْغِيلَةِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَبَيَّنَ سَبَبَ تَرْكِ النَّهْيِ) شرح النووي على مسلم (10/16).
وقال الإمام المناوي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيْلَةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَة أَيْ جِمَاع مُرْضِعٍ أَوْ حَامِلٍ، يُقَالُ: أَغَالَتْ وَاغْتَلَتِ المَرْأَةُ إِذَا حَبَلَتْ وَهِيَ مُرْضِعَةٌ، وَيُسَمَّى الوَلَد المُرْضع مَغِيْلًا، وَالغَيْلُ بِالفَتْحِ ذَلِكَ اللَّبَن، وَكَانَتِ العَرَبُ يَحْتَرِزُوْنَ عَنْهَا وَيَزْعُمُوْنَ أَنَّهَا تَضُرُّ الوَلَدَ وَهُوَ مْنَ المُشْهُوْرَاتِ الذَّائِعَةِ بَيْنَهُمْ (حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّوْمَ وَفَارِسَ يَصْنَعُوْنَ ذَلِكَ) أَيْ يُجَامِعُوْنَ المُرْضِعَ وَالحَامِلَ (فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ) يَعْنِي لَوْ كَانَ الجِمَاعُ أَوِ الإِرْضَاعُ حَالَ الحَمْلِ مُضِرًّا لَضَرَّ أَوْلَادَ الرُّوْمِ وَفَارِس لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُوْنَهُ مَعَ كَثْرَةِ الأَطِبَّاءِ فِيْهِمْ، فَلَوْ كَانَ مُضِرًّا لَمَنَعُوْهُ مِنْهُ، فَحِيْنَئِذٍ لَا أَنْهَى عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ القَيِّم: وَالخَبَرُ لَا يُنَافِيْهِ خَبْرُ (لَا تَقْتُلُوْا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا) فَإِنَّ هَذَا كَالمَشُوْرَةِ عَلَيْهِمْ وَالإِرْشَادِ لَهُمْ إِلَى تَرْكِ مَا يُضْعِفُ الوَلَدَ وَيَقْتُلُهُ لِأَنَّ المَرْأَةَ المُرْضِعَ إِذَا بَاشَرَهَا الرَّجُلُ حَرَّكَ مِنْهَا دَمَ الطَّمَثِ وَأَهَاجَهُ لِلْخُرُوْجِ فَلَا يَبْقَى اللَّبَنُ حِيْنَئِذٍ عَلَى اعْتِدَالِهِ وَطِيْبِ رِيْحِهِ وَرُبَّمَا حَمَلَتِ المَوْطُوْءَةُ فَكَانَ مِنْ أَضَرّ الأُمُوْرِ عَلَى الرَّضِيْعِ لِأَنَّ جَهَةَ الدَّمِ تَنْصَرِفُ فِي تَغْذِيَةِ الجَنِيْنِ الّذِي فِي الرَّحِمِ فَيَنْفُذُ فِي غِذَائِهِ، فَإِنَّ الجَنِيْنَ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَنَالُهُ وَيَجْتَذِبُهُ مُلَائِمًا لَهُ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأُمِّهِ اتَّصَالَ الفَرَسِ بِالأَرْضِ، وَهُوَ غَيْرُ مُفَارِقٍ لَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلِذَلِكَ يَنْقُصُ دَمُ الحَامِلِ وَيَصِيْرُ رَدِيْئًا فَيَصِيْرُ اللَّبَنُ المُجْتمَع فِي ثَدْيِهَا رَدِيْئًا فَيُضْعِفهُ، فَهَذَا وَجْهُ الإِرْشَادِ لَهُمْ إِلَى تَرْكِهِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُعُ دَائِمًا لِكُلِّ مَوْلُوْدٍ) فيض القدير (5/280).
وثبت في الحديث الصحيح:-
(أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، أَخْبَرَ وَالِدَهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ، وقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلَا، مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ، وَلَا الرُّومَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تبارك في علاه:-
(وَلَا رَيْبَ أَنَّ وَطْءَ الْمَرَاضِعِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَتَعَذُّرُ عَلَى الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَنِ امْرَأَتِهِ مُدَّةَ الرَّضَاعِ، وَلَوْ كَانَ وَطْؤُهُنَّ حَرَامًا لَكَانَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ، وَكَانَ بَيَانُهُ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَلَمْ تُهْمِلْهُ الْأُمَّةُ وَخَيْرُ الْقُرُونِ، وَلَا يُصَرِّحُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ حَدِيثَ أسماء عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ وَالِاحْتِيَاطِ لِلْوَلَدِ، وَأَنْ لَا يُعَرِّضَهُ لِفَسَادِ اللَّبَنِ بِالْحَمْلِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعُوا لِأَوْلَادِهِمْ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِمْ، وَالْمَنْعُ مِنْهُ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ، وَقَاعِدَةُ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ إِذَا عَارَضَهُ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِرَارًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ) زاد المعاد في هدي خير العباد (5/135).
والذي يتبيّن من آراء العلماء رحمهم ربّ الأرض والسماء جواز نكاح الغيلة لأنّه لم يرد نهي بذلك.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّ اللّهمّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.