25/10/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حفظكم الله ورعاكم سيدي وقرة عيني اسأل الله يديمكم سؤال ان سمحتم هو:
هناك مساجد يرفعون أصواتهم في الصلوات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان في خمس أوقات فما هو رأيكم في ذلك؟ وهل إن كان هناك توافق بين رفعه وعدم رفعه مستحب عندكم مثلاً نرفع أصواتنا بالأذان وقت الظهر والعصر والعشاء ونُسِر في الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أذان المغرب والفجر فما هو رأي حضرتكم في ذلك؟ وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الاسم: معاذ عبد الرحمن
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، ودعواتك الطبية، وأساله جلّ في علاه لك السداد والتوفيق، إنه سبحانه قريب مجيب.
الصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من أشرف العبادات، في كلّ الأوقات عند ربّ الأرض والسموات وهي بعد الأذان سنّة من حيث الأصل، ورفع الصوت بها بعد الأذان جائز لوجود الأصل وانتفاء المانع، ويؤجر فاعلها بحسن نيّته.
قال الحق جلّت عظمته:-
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة الأحزاب: 56].
الصلاة على حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بعد الأذان سنّة من حيث الأصل، وهذا مقرّر في الشريعة الغرّاء.
جاء في مواهب الجليل شرح مختصر خليل: (يستحب أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان وأن يقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ثم يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة)(1/445).
وينظر روضة الطالبين (1/203)، كشاف القناع (1/247)، ، فقه العبادات على المذهب الحنفي: نجاح الحلبي (1/74)، شرح أبي داود للعيني (2/481)، شرح الإمام النووي على مسلم (2/111)، فتح الباري لابن رجب (5/269 – 270) رحمهم الله عزّ وجلّ.
أمّا رفع الصوت بها فجائز، وذلك لما يأتي:-
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهمَا أَنَّهُ:-
(سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
فنصُّ الحديث الشريف جاء مطلقا غير مقيّد لا بسرية ولا جهرية (صَلُّوْا عَلَيَّ) صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه.
والمطلق لغة:- اسم مفعول من أطلقَ/ أطلقَ فيما لا يُقيَّد بقيدٍ أو شرط، غير مقيّد، حُرّ “يتمتّع بسلطةٍ مطلقة” مُطلق السّراح: غيرُ معتقل- مُطْلَق الصَّلاحيَّة: ممنوح صلاحيّات مطلقة. معجم اللغة العربية المعاصرة (2/1412).
وفي اصطلاح الأصوليين:-
(مَا دَلّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلاَلَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ قُيُودِهَا) البحر المحيط (3/413).
فجاءت العبارة مطلقة أي خالية من أيّ قيد أو شرط فهنا يشمل السرّ والجهر من المؤذن والمستمع.
والجهر بالصلاة على حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عقب الأذان توارد عليه المسلمون منذ قرون فاعتبره العلماء من مُحَدِّثِيْنَ وفقهاء بدعة حسنة، أي شيئًا جديدًا حَسَنًا، وهذا استحسان منهم رحمهم الله جلّ في علاه لهذه العبادة الجليلة بهذه الوسيلة الجديدة (أي الهيئة الجديدة الحسنة).
وقد جاء هذا في كتب السادة الحنفية والمالكية رضي الله تعالى عنهم.
(وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْأَذَانِ فَبِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، أَوَّلُ حُدُوثِهَا زَمَنَ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ سَنَةَ إحْدَى وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ أَوَّلًا تُزَادُ بَعْدَ أَذَانِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَطْ، ثُمَّ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ زِيدَتْ عَقِبَ كُلِّ أَذَانٍ إلَّا الْمَغْرِبَ. كَمَا إنَّ مَا يُفْعَلُ لَيْلًا مِنْ الِاسْتِغْفَارَاتِ وَالتَّسَابِيحِ وَالتَّوَسُّلَاتِ هُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/249)، وينظر الدرر المختار وحاشية ابن عابدين (1/390)، ينظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/193)، الموسوعة الفقهية الكويتية (2/362 – 363)، الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي (1/714) رحمهم الله سبحانه.
وقد أجاب الإمام السخاوي رحمه الباري جلّ جلاله عن هذا السؤال:-
(وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَكْرُوْهٌ أَوْ بِدْعَةٌ أَوْ مَشْرُوْعٌ وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ مِنْ أَجَلِّ القُرَبِ لَا سِيَمَا وَقَدْ تَوَارَدَتِ الأَخْبَارُ عَلَى الحَثِّ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَا جَاءَ فِي فَصْلِ الدُّعَاءِ عَقِبَ الأَذَانِ وَالثُّلُثِ الأَخِيْرِ مِنَ اللَّيْلِ وَقُرْب الفَجْرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ يُؤْجَرُ فَاعِلُهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص196.
والذي يبدو ممّا تقدّم أنّ رفع الصوت بالصلاة والسلام على حضرة النبيّ المختار صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه الأخيار جائز، وذلك لما يأتي:-
1- وجود أصل (نصّ) وعدم وجود مانع (نهي).
2- لعموم إطلاق النصوص الواردة في الصلاة على سيّدنا الرسول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه العدول.
3- هي مقصد عظيم بالاتفاق، وفعلٌ حسنٌ جميلٌ في جميع الأوقات، وإنْ كانت الوسائل جديدة، والقاعدة الفقهية تقول:-
(لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ المَقَاصِدِ) الموسوعة الفقهية الكويتية (36/279).
والموضوع عند أهل الذكر فيه سعة وبالتالي ينبغي على المسلمين أنْ ينتبهوا إلى ما وجّهت به نصوص الشرع الشريف من ضرورة التسامح وجواز التوسّع في المباحات، شريطة عدم الاعتقاد أنّ رفع الصوت بالصلاة على الحبيب المحبوب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أتقياء القلوب جزءٌ من الأذان، بل يُجعل هذا الأمر في ميزانه ونصابه، فمَنْ فعله فلا بأس، ومَنْ تركه فلا إثمَ عليه، ومَن اعتاد على فعله يتركه في بعض الأحيان حتى يُعلِمَ غيره أنّه ليس من الأذان.
والله تبارك اسمه هو العليم العّلام.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد سيّد الأنام، ومصباح الظلام، وعلى آله وأصحابه الكرام.