11/11/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي.

بارك الله فيكم وفي هذا الموقع المبارك.

سيدي سؤالي هو:-

ما حكم هذا الحديث (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)؟

وجزاكم الله تعالى خيرا.

 

الاسم: محمد

 

 

الرد:ـ

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وأسال الله جلّ في علاه لكم التوفيق والسداد، إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:ـ

المقصود منه: ما أُسبل تحت الكعبين لا على الإطلاق وإنّما على سبيل الخُيُلَاء وهو من البَطَر والكِبْر.

التفصيل:-

بداية لا بدّ أنْ تعلم أنّ الحكم الشرعي لا يؤخذ من آية واحدة أو حديث واحد، إنّما ينبغي جمع الأدلة المتعلقة بالموضوع المراد بيان الحكم فيه، فنصوص الشريعة الغرّاء فيها العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والحقيقة والمجاز. فقد يكون عامًّا مخصوصًا أو مطلقًا مقيّدًا إلى غير ذلك ممّا يجب أنْ يُصار إليه عند التعارض من القواعد الأصولية وآلات الاجتهاد المعروفة عند ذوي الاختصاص.

وموضوع إسبال الإزار وردت فيه أحاديث مطلقة وأخرى مقيّدة، فمن المطلق، قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.

ومن المقيّد، قول سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ، قَالَ مُوسَى: فَقُلْتُ لِسَالِمٍ أَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ، مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ إِلَّا ثَوْبَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) متفق عليه.

فالحديث النبوي الشريف الأوّل ليس على إطلاقه، وإنّما خُصِّصَ بالأحاديث التي بعده والتي تدلّ على أنّ المراد هو ما كان خيلاء.

وقد ذكر الإمام ابن حجر العسقلاني ما نصّه:-

(أَنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ لِلْخُيَلَاءِ كَبِيرَةٌ وَأَمَّا الْإِسْبَالُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ فَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُهُ أَيْضًا لَكِنِ اسْتُدِلَّ بِالتَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْخُيَلَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الزَّجْرِ الْوَارِدِ فِي ذَمِّ الْإِسْبَالِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا فَلَا يَحْرُمُ الْجَرُّ وَالْإِسْبَالُ إِذَا سَلِمَ مِنَ الْخُيَلَاءِ قَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ مَفْهُومُهُ أَنَّ الْجَرَّ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ إِلَّا أَنَّ جَرَّ الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ مِنَ الثِّيَابِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْإِسْبَالُ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لِلْخُيَلَاءِ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَهَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَرِّ لِلْخُيَلَاءِ وَلِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ قَالَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِزَارُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَا نَزَلَ عَنِ الْكَعْبَيْنِ مَمْنُوعٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ وَإِلَّا فَمَنْعُ تَنْزِيهٍ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْإِسْبَالِ مُطْلَقَةٌ فَيَجِبُ تَقْيِيدُهَا بِالْإِسْبَالِ لِلْخُيَلَاءِ انْتَهَى) فتح الباري (10/263).

إذن فالنهي عن إسبال الإزار لعلّة معلومة وهي الخُيُلاء، وهي والمخيلة والبَطر والكِبْر والزهو والتبختر كلّها بمعنى واحد، وهو حرام، وهذا ما كان يعرف في العصور الجاهلية سيّما عند أهل الأموال والنفوذ والسلطان، وهذه الظواهر أصبحت نادرة الآن، فينبغي حمل المطلق على المقيّد، فمتى انعدمت الخيلاء في القصد مِنْ إسبال الإزار لم يكن به بأسٌ، إنْ حافظ على طهارته، ولم يكن فيه إسرافٌ، لأنّ ذلك محرّم شرعًا سواء كان خيلاء أو غير خيلاء، والأفضل أنْ يجعله مع الكعبين خروجًا من الخلاف.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.