28/12/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سيدي الحضرة حفظكم الباري عزّ وجلّ وجزاكم عن المسلمين خيراً.
سيدي أيهما ينفع السالك أكثر حال القبض أم حال البسط؟
وجزاكم الله عن المسلمين خيراً.

الاسم: سعد نجم

الرد:ـ
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفّقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
الجواب باختصار:-
الأحوال الروحية وأثرها في السالكين يختلف من شخص لآخر، فقد يكون القبض أفضل لسالكٍ ما، بينما البسط خير لآخر، وفي كلاهما خير إذا تعامل معهما السالك على نحو صحيح.
التفصيل:-
قال الله جلّ حلاله:-
{— وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة البَقَرَةِ: 245].
القبض والبسط هيئتان روحيتان تنشأن في القلب، ويتعاقبان عليه، وقد ذكرهما العلماء رضي الله تعالى عنهم:-
(بَسَطكَ كيْ لا يُبْقِيَكَ مَعَ القَبْضِ، وَقَبَضكَ كَيْ لا يَتْرُكَكَ مَعَ البَسْطِ، وَأَخْرَجَكَ عَنْهُمَا كَيْ لا تَكُونَ لَشَيءٍ دُونَهُ. رُبَّمَا أَفَادَكَ فِي لَيْلِ القَبْضِ مَا لَمْ تَسْتَفِدْهُ فِي إِشْرَاقِ نَهَارِ البَسْطِ، لَا تَدْرُوْنَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) الحكم العطائية.

القول بأفضلية القبض لانعدام حظّ النفس فيه، أمّا البسط فتأخذ النفس حظها منه، ولا يأمن مع البسط إساءة الأدب، وعليه فما لا حظَّ فيه للنفس أقرب للسلامة وأعظم للإفادة.
فالقبض كالليل، والليل محلّ المناجاة والخلوة بين يدي الله تقدّست أسماؤه؛ فيعود ذلك بالخير للسالك إذ سيُقبل على مولاه جلّ جلاله وعمّ نواله.
والبسط له فوائد أيضًا إذ به تنشط النفس وتُقبل على الخيرات والمبرّات؛ ولذا فلا يُعلم أيّهما أقرب للسالك نفعًا.
ولا ينبغي للسالك أنْ يطلب حالًا ما، أو الانتقال منه لغيره، بل يتعيّن عليه الوقوف مع الحال ويتلقّاه بالقبول والأدب.
والحقّ أنّ القبض والبسط ممدوحان من وجه، ومذمومان من وجه آخر، والقياس في ذلك للشرع الشريف؛ فإذا كان البسطُ يهدي للتفاؤل والإقدام ورفع الهمّة، كان ممدوحًا، وإذا كان يدعو إلى التفاخر والتكبّر والغرور، كان مذمومًا.
والقبضٍ الممدوح ما كانت ثمرته التوبة والانكسار واللجوء إلى الله جلّت صفاته، أمّا إذا كان سبيلًا إلى الإحباط والقعود واليأس كان مذمومًا.
وفي المحصّلة: البسط والقبض جنديان مِنْ جنود الله جلّ في علاه يهديان إلى حياض الشكرُ والانكسار، ويسوقان قلبَ العبد إلى أعتاب العزيز الغفّار.
وهذه مناسبة للتنبيه بأنّ معرفة هذه المباحث مفيدة على أنْ لا تكون شغل السالك الشاغل، بل ينبغي عليه أنْ يتحقّق بالعمل والخدمة دون الالتفات والوقوف عند الأحوال التي قد تخفى عليه حقيقتها ومصدرها فيقع في الوهم أو الغرور أو الشطط عياذاً بالله الكريم جلّ ذكره.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على الرحمة المهداة سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.