7/1/2024
نص السؤال:
السلام عليكمْ ورحمة الله وبركاته.
السادة الأفاضل تحية طيبة لكم.
لو تبيّنون لنا بعد إذنكم ما هو الجاثوم؟ وما علاقته بالنائم؟ وما أسبابه؟ وما حلول إبعاده؟
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
الجاثوم أو الكابوس:ـ يسمى طبيًّا (شلل النوم) وهو حالة تتميّز بفقدان مؤقت للقدرة على الحركة والكلام، يحدث عادة عند الاستيقاظ من النوم، يشعر الشخص أثنائه بأنّه واعٍ تمامًا، وقد يشعر أيضًا بضغط أو ثقل على صدره، أو بوجود كائنات غريبة في مكانه.
إنَّ الجاثوم أو الكابوس، ليس بخرافة ولا أسطورة، بل هو حقيقة واقعة.
ويكثر عند النوم لكونه انتقالا بين العوالم، ولكثرة الغفلة فيه.
وأسبابه متعددة: فقد يكون من تَسلّط الشياطين، أو لأسباب ماديّة، أو صحيّة.
فما كان من تَسلّط الشياطين فإنَّ له أسبابًا كثيرة من أهمّها:-
1- الغفلة عن ذكر الله تعالى، يقول الله عزّ وجلّ:-
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة الزخرف: 36-37].
2- التقصير في عبادة الله عزّ وجلّ كترك الفرائض، وإتيان المحرّمات، يقول الحق تبارك في علاه:-
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة الحجر: 42-43].
3- النوم على غير طهارة للبدن أو للمكان، أو على غير وجه السنّة، فعن حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين أنّه قال:-
(إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
قال الإمام النووي رحمه البرُّ القويّ في شرح هذا الحديث الشريف:-
(الْمَقْصُودُ النَّوْمُ عَلَى طَهَارَةٍ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ فِي لَيْلَتِهِ وَلِيَكُونَ أَصْدَقَ لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَدَ مِنْ تَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ) شرح الإمام النووي على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله جلّ في علاه (17/٣٣).
وعلاج هذه الحالة يكون بالمحافظة على الطهارة، وأداء الفرائض، واجتناب المناهي، والمداومة على ذكر الله تعالى عمومًا، وأذكار النوم خصوصًا، ولمعرفتها أنصحك بمراجعة كتاب (الأذكار) للإمام النووي رحمه العزيز الغفار جلّ جلاله.
وما كان من أمراض مادية فإنَّ له أسبابا كثيرة أيضًا، من أهمّها:-
1- الإجهاد والإرهاق، وقلّة النوم، والقلق.
2- اضطرابات النوم الأخرى، مثل الأرق أو السهر الطويل.
3- بعض الأدوية، مثل مضادات الاكتئاب أو أدوية الفصام.
4- بعض الحالات الطبيّة، المرتبطة بالتنفّس أو أمراض الدماغ.
5- اختلاط الأطعمة المتعددة في المعدة.
قال أبو الأطباء ابن سينا رحمه الله تعالى:-
(فَصْلٌ في الكَابُوسَ وَيُسْمَى الجَاثُومُ. مرضٌ يُحِسُّ فِيهِ الْإِنْسَانُ عِنْدَ دُخُولِهِ في النَّوْمِ خَيَالًا ثَقِيلًا يَقَعُ عَلَيْهِ وَيَعْصِرُهُ وَيُضَيَّقُ نَفْسَهُ فَيَنْقَطِعُ صَوْتَهُ وَحَرَكَتُهُ وَيَكَادُ يختنقُ لانْسِدَادِ الْمَسَامِّ وَإِذَا تُقْضَى عَنْهُ انْتَبَهَ دَفْعَةً، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ مَوادَ مُزْدَحِمَةً وَلَم يَكُنْ مِنْ أَسْبَابٍ أُخْرَى غَيَّرِ ماديةٍ، وَلَكِن سَبَبُهُ في الْأَكْثَرِ : بُخَارُ موادٍ غَلِيظَةٍ دَمَوِيَّةٍ أَوْ بَلْغَمِيَّةٍ أَوْ سَوْدَاوِيَّةٍ تَرْتَفِعُ إِلَى الدِّمَاغِ دَفْعَةً في حَالَ سُكُونِ حَرَكَةِ الْيَقَظَةِ .
وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَردٍ شَديدٍ يُصِيبُ الرأسَ دَفْعَةً عِندَ النَّومِ فَيَعْصِرهُ ويُكَثّفهُ ويَقْبِضُهُ ويَختلُ منهُ تلكَ الخيالاتِ بِعينِها) كتاب القانون (2/117) باختصار.
وعلاج هذه الحالة يكون بأمور من أهمها:
1- الحجامة والفصد ونحوها.
2- الحصول على قسط كافٍ من النوم.
3- تجنّب الإجهاد.
4- الابتعاد عن تناول الكافيين ومسبّبات الأرق.
5- ممارسة الرياضة بانتظام.
6- اتباع روتين ثابت للنوم والاستيقاظ.
ومن الممكن أنْ يكون السبب مرضًا نفسيًّا كالخوف من شيء، أو التفكير الزائد، فعليه في هذه الحالة أنْ يراجع السادة المرشدين، والمأذونين بالرقية الشرعية، ويحرص على حضور مجالس الذكر، فإنّ فيها الدواء الشافي، والترياق الصافي، كيف لا، وقد قال الحقّ جلّ وعلا:-
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلَّم، على حضرة النبيّ المعظّم، والرسول المكرّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم.