10/1/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله أنْ يحفظكم ويديمكم سيّدي الشيخ وجميع العاملين على هذا الموقع المبارك.
عفوًا سيّدي وجّه ديوان الوقف السنّي مساجد العراق للقنوت في الصلوات الخمس للأحداث المؤلمة للمسلمين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
سؤالي: حينما نقنت هل نرفع أيادينا بالدعاء أم لا؟ وإذا رفعناها هل نمسح بها وجوهنا أم لا؟ وجزاك الله عنّا وعن المسلمين كلّ خير.
الاسم: أبو سعد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
رفع اليدين عند القنوت، ومسح الوجه باليدين بعد الفراغ منه، فيه قولان: بالاستحباب وعدمه.
الْقُنُوتُ: اسْمٌ لِلدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنَ الْقِيَامِ، وهو مُنْحَصِرٌ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ: صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَصَلاَةِ الْوِتْرِ، وَفِي النَّوَازِل، وهي الشدائد والمحن التي تنزل بالأمّة.
وقد تعدّدت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في رفع اليدين عند دعاء القنوت على النحو الآتي:-
1- يرى السادة الشافعية والحنابلة ورواية عن الإمام أبي يوسف من السادة الحنفية، رحمهم الله سبحانه، أنّه يسنّ رفع اليدين في دعاء القنوت، لما ورد عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا، قَرَأَ سُورَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
وقوله (كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ) أي كان يتدرّب على رمي السهام عن القوس.
قال الإمام ابن عابدين رحمه الله جلّ في علاه:-
((قَوْلُهُ وَقِيلَ كَالدَّاعِي) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْفَعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ وَبُطُونُهُمَا إلَى السَّمَاءِ إمْدَادٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبْقِيهِمَا كَذَلِكَ إلَى تَمَامِ الدُّعَاءِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ) حاشية ابن عابدين (2/6).
وقال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(يُسْتَحَبُّ -أَيْ رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ القُنُوْتِ- وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ — وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْجَامِعِينَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ لَهُ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قتلوا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَالَ “لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا صَلَّى الْغَدَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِمْ يَعْنِي عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ” قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِأَنَّ عَدَدًا من الصحابة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْقُنُوتِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ “صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَهَرَ بِالدُّعَاءِ”) المجموع شرح المهذب (3/500).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ ثناؤه:-
(فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي حَالِ الْقُنُوتِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا دَعَوْت اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ) المغني (2/113).
2- يرى السادة الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي َمُقَابِل الصَّحِيحِ رحمهم الله جلّ وعلا إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ، لأِنَّهُ دُعَاءٌ فِي صَلاَةٍ فَلاَ يُسَنُّ فِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ قِيَاسًا عَلَى دُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ وَالتَّشَهُّدِ.
قال الإمام ابن عابدين رحمه الله تعالى:-
(يَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ كَمَا فِي حَالَةِ الْقِرَاءَةِ) حاشية ابن عابدين (2/6).
وقال الإمام الحطّاب المالكي رحمه الله عزّ شأنه:-
(نَصَّ ابْنُ الْجَلَّابِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَفْعِ يَدَيْهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ.
(قُلْت) وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ. قَالَ فِيهَا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/540).
أمّا مسح الوجه بعد دعاء القنوت (لمَنْ قال برفع اليدين في دعاء القنوت)، ففيه قولان، أحدهما: بالاستحباب، والثاني: بعدمه.
قال الإمام النووي رحمه الله جلّ وعلا:-
(وَأَمَّا مَسْحُ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدُّعَاءِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ لَمْ يُشْرَعْ الْمَسْحُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قُلْنَا يَرْفَعُ فَوَجْهَانِ (أَشْهُرُهُمَا) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي كُتُبِهِ وَالْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ.
(وَالثَّانِي) لَا يَمْسَحُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَسْتُ أَحْفَظُ فِي مَسْحِ الْوَجْهِ هُنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ يُرْوَى عَنْ بَعْضِهِمْ فِي الدُّعَاءِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ عَمَلٌ لَمْ يَثْبُتْ فِيْهِ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا قِيَاسٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَيُقْتَصَرَ عَلَى مَا نَقَلَهُ السَّلَفُ عَنْهُمْ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ دُونَ مَسْحِهِمَا بِالْوَجْهِ فِي الصَّلَاةِ) المجموع شرح المهذب (3/500 – 501).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-
(وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقُنُوتِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ:-
إحْدَاهُمَا: لَا يَفْعَلُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِهِ فِيهِ، كَسَائِرِ دُعَائِهَا.
الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. وَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ». وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ) المغني (2/113).
وبهذا يتبيّن أنّ الأمر فيه سعة -والحمد لله ربّ العالمين- فمَنْ شاء أنْ يرفع يديه في القنوت فذلك جائز، ومَنْ شاء أنْ لا يرفعها فلا بأس، وكذا الحال بالنسبة إلى مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، المهم أنْ يكون القلب حاضرا، والنيّة خالصة.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ يرزقنا جميعا الصدق والإخلاص إنّه سبحانه سميع مجيب.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.