31/1/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله أنْ يحفظكم ويديمكم سيّدي وقرّة عيني وجميع العاملين على هذا الموقع المبارك.
سؤالي إنْ سمحتم هو:-
خادمكم متشرّف بالخدمة في أحد المساجد وأرى عمائم المشايخ مختلفة فواحدة مستديرة الشكل، وأخرى مثلثة، واحدة حمراء، وأخرى خضراء، فأيّ العمائم أقرب للهدي النبوي؟ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم.
وجزاكم الله عنّا وعن المسلمين كلّ خير.
الاسم: أبو سعد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
السنّة في العمامة أنْ تكون مكوّرة لا مثلثة، والأفضل أنْ تكون باللون الأبيض.
قال الحقّ جلّ جلاله:-
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [سورة الأعراف: 26].
العمامة: مَا يُلَفُّ عَلَى الرَّأْس. المعجم الوسيط (2/629).
وجاء في فضلها بعض الأحاديث الشريفة منها:-
1- (اعْتَمُّوا تَزْدَادُوا حِلْمًا وَالْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
2- (عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ فَإِنَّهَا سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ، وَأَرْخُوا لَهَا خَلْفَ ظُهُورِكُمْ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
3- (اعْتَمُّوا تَزْدَادُوا حِلْمًا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ ذكره.
وكلّ ما ورد في فضل العمامة ضعيف لا تقوم به حجّة، ومع ذلك فإنّ لُبْسَها سنّة عند أهل الحديث رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لأنّهم يُعرّفون السنّة: ما ورد عن حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وثبت أنّه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لبس العمامة.
وهي عادة وعرف عند السادة الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ لأنّ السنّة عندهم تعني ما يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، ولبس العمامة من عدمه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب.
وقد ورد عن سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه أنّه لبس العمامة السوداء.
فعن سيّدنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وعنكم:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وَكَانَتْ لِعِمَامَتِهِ الشريفة عَذَبَةٌ يُسْدِلُهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما وعنكم قَالَ:-
(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) الإمام الترمذي رحمه الباري جلّ شأنه.
وَورد أَنَّهُ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين تَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ قَطَرِيَّةٍ.
فَعَنْ سيّدنا أَنَسِ رضي الله تعالى عنه وعنكم قَال:-
(رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ، فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ شأنه.
وَفُسِّرَتِ الْعِمَامَةُ الْقَطَرِيَّةُ بِتَفْسِيرَيْنِ:-
الأْوَّل: هِيَ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ فِيهِ حُمْرَةٌ وَلَهَا أَعْلاَمٌ وَفِيهَا بَعْضُ الْخُشُونَةِ.
الثَّانِي: هِيَ حُلَلٌ جِيَادٌ تُحْمَل مِنْ قَرْيَةٍ فِي الْبَحْرَيْنِ يُقَال لَهَا قَطَرٌ. النهاية لابن الأثير (4/80).
قال الشيخ سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري المعروف بالجمل رحمه الله جلّ في علاه:-
(وَالْأَفْضَلُ فِي لَوْنِهَا الْبَيَاضُ، وَصِحَّةُ لُبْسِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَنُزُولُ أَكْثَرِ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ بِعَمَائِمَ صُفْرٍ وَقَائِعُ مُحْتَمَلَةٌ فَلَا تُنَافِي عُمُومَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ الْآمِرِ بِلُبْسِ الْبَيَاضِ وَإِنَّهُ خَيْرُ الْأَلْوَانِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ) حاشية الجمل على شرح المنهج (2/89).
قوله (بِلُبْسِ الْبَيَاضِ وَإِنَّهُ خَيْرُ الْأَلْوَانِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ) يشير إلى قوله صلى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-
(عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ مِنَ الثِّيَابِ فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ) الإمام النسائي رحمه الله سبحانه.
وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنّ الملائكة الكرام عليهم السلام وبعض الصحابة الأعلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم قد تعمّموا بعمائم بيض وسود وحمر وصفر وخضر.
فعَن سيّدنا عبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما وعنكم قَالَ:-
(كَانَ سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عمائمَ بِيضٍ قَدْ أَرْسَلُوها إِلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرٍ، وَلَمْ يُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ أَلَا يَوْمَ بَدْرٍ إِنَّمَا كَانُوا يَكُونُونَ عِدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ جلاله.
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(أَدْرَكْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَعْتَمُّونَ بِعَمَائِمَ كَرَابِيسَ حُمْرٍ وَسُودٍ وَخُضْرٍ وَصُفْرٍ يَضَعُ أَحَدُهُمْ طَرَفَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يَضَعُ الْقَلَنْسُوَةَ عَلَيْهَا ثُمَّ يُدِيرُونَهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ وَلَا يُدْخِلُونَهَا تَحْتَ أَذْقَانِهِمْ) الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله جلّ ذكره.
وورد أنّ سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَتَجَهَّزُ لِسَرِيَّةٍ بَعَثَهُ عَلَيْهَا، وَأَصْبَحَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدِ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ مَنْ كَرَابِيسَ سَوْدَاءَ، فَأَدْنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَقَضَهُ وَعَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، وَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ: هَكَذَا يَا ابْنَ عَوْفٍ اعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَبُ وَأَحْسَنُ) الإمام الحاكم رحمه الله سبحانه.
ومعنى أَعْرَبُ: أبين وأوضح، أو أَبرز لعروبة لابسها.
إذًا: لا إشكال في لون العمامة، فأمر ذلك متروك إلى ذوق الشخص والعُرف السائد، ولمعرفة المزيد من أحكامها يمكنك مراجعة كتاب الحاوي للفتاوى للإمام السيوطي رحمه الله تعالى (1/357).
أمّا شكل العمامة هل هي مثلثة أم مستديرة؟ فالصحيح أنّها مستديرة.
فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعنكم قال:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ) الإمام عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله عزّ وجلّ.
و (الكَوْرُ لَوْثُ الْعِمَامَةِ يَعْنِي إِدارتها عَلَى الرأْس، وَقَدْ كَوَّرْتُها تَكْوِيراً. وَقَالَ النَّضْرُ: كُلُّ دَارَةٍ مِنَ الْعِمَامَةِ كَوْرٌ، وَكُلُّ دَوْرٍ كَوْرٌ. وتكْوِيرُ الْعِمَامَةِ: كَوْرُها. وَكَارَ العِمَامَةَ عَلَى الرَأْسِ يَكُورُها كَوْرًا: لَاثَها عَلَيْهِ وَأَدَارَهَا) لسان العرب (5/155).
ومعنى لَاثَها: أي لفّها وعصب بها رأسه.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.