3/2/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سيّدي وحبيبي حضرة الشيخ أسأل الله تعالى أنْ يحفظكم ويمدّ في عمركم، ويجعلكم ذخرًا لنا في الدنيا والآخرة، بجاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

سؤال:-

بعض الخطباء في مقدمة الخطبة بعد الشهادتين يترضّى عن آل البيت والصحابة رضي الله عنهم وعنكم، ويذكر أسمائهم مثل ساداتنا (أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن والحسين وحمزة والعباس وعائشة وخديجة وفاطمة) رضي الله عنهم وعنكم.

ما حكم ذكرهم في مقدمة الخطبة؟

وفي أيّ عصر بدأ ذكرهم على المنابر؟

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، أسأل الله جلّ وعلا لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

يستحبُّ ذِكرُ ساداتنا الخلفاء الراشدين، وأمّهات المؤمنين، وآل البيت المكرمين، والصحابة أجمعين، والترضّي عنهم في خطبة الجمعة.

التفصيل:-

الأصل في الترضّي عن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم، آيات بيّنات من كتاب ربّ الأرض والسموات جلّ جلاله وعمّ نواله، منها قوله سبحانه:ـ

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100].

وقوله عزّ شأنه:-

{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [سورة الفتح: 18].

وذهب الفقهاء رحمهم الله جلّ وعلا إلى استحباب الترضّي عنهم:-

قال الإمام ابن عابدين الحنفيّ رحمه الله سبحانه:ـ

(قَوْلُهُ “وَيُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي لِلصَّحَابَةِ” لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي طَلَبِ الرِّضَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَيَجْتَهِدُونَ فِي فِعْلِ مَا يُرْضِيهِ، وَيَرْضَوْنَ بِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ الِابْتِلَاءِ مِنْ جِهَتِهِ أَشَدَّ الرِّضَا، فَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِالرِّضَا وَغَيْرُهُمْ لَا يَلْحَقُ أَدْنَاهُمْ وَلَوْ أَنْفَقَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا) حاشية ابن عابدين (6/754).

وذكر العلّامة أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي المالكيّ رحمه الله عزّ وجلّ:ـ

(قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ حَاصِلُهَا مَا حُكْمُ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ – رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ – وَالسُّلْطَانَ – سَدَّدَهُ اللَّهُ – وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ لَا يُخَالَفُ أَوْ وَاجِبٌ لَا يُتْرَكُ وَجَوَابُهَا أَنَّ نَقُولَ: أَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا عِنْدِي جَائِزٌ حَسَنٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَعْظِيمِ مَنْ عُلِمَ تَعْظِيمُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً وَنَظَرًا وَلَا سِيَّمَا إذَا مَزَجَ ذَلِكَ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ نُصْرَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَذْلِ نُفُوسِهِمْ فِي إظْهَارِ الدِّينِ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/165).

وقال الإمام النووي الشافعيّ رحمه الله تعالى:-

(يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَسَائِرِ الْأَخْيَارِ فَيُقَالُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ رَحِمَهُ اللَّه وَنَحْوُ ذَلِكَ) المجموع شرح المهذب (6/172).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله عزّ شأنه:-

(وَمِنَ السُّنَّةِ تَوَلِّي أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَحَبَتُهُمْ، وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَالتَّرَحُمُ عَلَيْهِمْ، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وَالكَفُّ عَنْ ذِكْرِ مَسَاوِئِهِمْ وَمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَاعْتِقَادُ فَضْلِهِمْ، وَمَعْرِفَةُ سَابِقَتِهِمْ) لمعة الاعتقاد (ص: 39).

وقال الإمام الزبيدي رحمه الله جلّت قدرته:ـ

(وَذِكْرُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ عُمُوْمًا وَالعَمَّيْنِ وَالسِّبْطَيْنِ وَأُمِّهِمَا وَجَدَّتِهِمَا مُسْتَحْسَنٌ).

وقال أيضًا:ـ

(فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطِيْلَ بِذِكْرِهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ بِاسْمِهِ مَعَ الأَوْصَافِ اللَّائِقَةِ بِهِمْ ثُمَّ يَعْطِفَ عَلَيْهِمْ بِالبَاقِيْنَ مِنَ العَشَرَةِ) إتحاف السادة المتقين (3/229).

وبدأ ذكرهم على المنابر في عهد الصحابة الكرام، فقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى فقال:ـ

(وَقَدْ رَوَى ضَبَّةُ بْنُ مُحَصِّنٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ إذَا خَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَدْعُو لِعُمَرَ، وَأَبِي بَكْرٍ. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ضَبَّةُ الْبِدَايَةَ بِعُمَرَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَبِي بَكْرٍ، وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ لِضَبَّةَ: أَنْتَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ) المغني (2/230).

وقال الشيخُ ابن تيمية رحمه ربّ البرية جلّ جلاله:ـ

(إِنَّ ذِكْرَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ عَلَى المَنَابِرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ) منهاج السنة (4/165).

وممّا تقدّم يتّضح أنّ سلف هذه الأمّة استحسنوا وتوارثوا ذكر ساداتنا الخلفاء الراشدين، وآل البيت المكرمين، وأُمّهات المؤمنين، والصحابة أجمعين رضي الله تعالى عنهم إلى يوم الدين، على منبر حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، في جمعة المسلمين، ليعلم اللاحق أنّه متصل بالسابق، وأنّ هذه الأمّة واحدة مصداقًا لقول الرحمن الرحيم جلّ ذكره:-

{إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: 92].

ولقد أدّبنا ربّنا وخالقنا فيما أنزل على نبيّنا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه فقال:-

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].

والله تقدّست أسماؤه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على نبيّنا المعظّم، إمام طيبة والحَرم، سيّدنا محمّد المكرّم، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.