6/2/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي

أحسن الله جلّ وعلا إلى حضرتكم على ما تبذلونه في خدمة الأمة جمعاء، وقوّاكم سبحانه على ذلك، وجزى الله الكريم كل من سار مع حضرتكم في مسيرة تجديد أمر الدين في الأمّة.

عفوا سيّدي.

سؤالي: ما حكم طاعة المعلّم في الإسلام؟

 

الاسم: عبد الله فؤاد آل محمود

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لمراضيه، ويجعل مستقبل أيّامك أفضل من ماضيه.

الجواب باختصار:-

تستحب طاعة المعلّم في مجال تخصّصه إذا خلا توجيهه من مخالفة للشرع الشريف.

التفصيل:-

لقد جاءت النصوص الشريفة لتبيّن مكانة أهل العلم، منها قوله عزّ من قائل:-

{— يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة: 11].

وقال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:ـ

(… إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

وعن سيّدنا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما وعنكم قال:ـ

(خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَالْأُخْرَى: يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا، فَجَلَسَ مَعَهُمْ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ في علاه.

والمعلّم يُطاع في مجال اختصاصه إذا لم يخالف الشرع الشريف، لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقوله:-

(لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ شأنه.

وفي رواية أخرى قال:-

(السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ عَلَيْهِ وَلاَ طَاعَةَ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

ويتأكّد تقدير واحترام المعلّم إنْ كان من أهل العلم، وحملة القرآن الكريم، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:ـ

(إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلت صفاته.

وقال:-

(لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ) الإمام أحمد رحمه الله الأوحد.

ويزداد هذا التأكيد قوّة إذا كان المعلّم من العلماء الربانيين والمرشدين الكاملين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فهم ورثة حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين، الذين قال فيهم:-

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِيْنَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ) الإمام الترمذي رحمه الباري جلّ وعلا.

وعناهم الإمام الغزالي رحمه الله تبارك في علاه بقوله:-

(المُعَلِّمُ مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوْبِ البَشَرِ وَنُفُوْسِهِمْ، وَأَشْرَفُ مَوْجُوْدٍ عَلَى الأَرْضِ جِنْس الإِنْسِ، وَأَشْرَفُ جُزْءٍ مِنْ جَوَاهِرِ الإِنْسَانِ قَلْبُهُ، وَالمُعَلِّمُ مُشْتَغِلٌ بِتَكْمِيْلِهِ وَتَجْلِيَتِهِ وَتَطْهِيْرِهِ وَسِيَاقَتِهِ إِلَى القُرْبِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَعْلِيْمُ العِلْمِ مِنْ وَجْهٍ: عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى، وَمِنْ وَجْهٍ: خِلَافَةٌ للهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ أَجَلّ خِلَافَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ فَتَحَ عَلَى قَلْبِ العَالِمِ العِلْم الّذِي هُوَ أَخَصُّ صِفَاتِهِ فَهُوَ كَالخَازِنِ لِأَنْفَسِ خَزَائِنِهِ، ثُمَّ هُوَ مَأْذُوْنٌ لَهُ فِي الإِنْفَاقِ مِنْهُ عَلَى كُلِّ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، فَأَيّ رُتْبَةٍ أَجَلّ مِنْ كَوْنِ العَبْد وَاسِطَة بَيْنَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي تَقْرِيْبِهِمْ إِلَى اللهِ زُلْفَى وَسِيَاقَتِهِم إِلَى جَنَّةِ المَأْوَى) إحياء علوم الدين (1/13).

وذكر أيضا من أحوال المعلم:-

(حَال التَّبْصِيْرِ قَالَ: وَهُوَ أَشْرَفُ الأَحْوَالِ، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ فَهُوَ الّذِي يُدْعَى عَظِيْمًا فِي مَلَكُوْتِ السَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ كَالشَّمْسِ تُضِيْءُ لِغَيْرِهَا وَهِيَ وَضِيْئَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَكَالمِسْكِ الّذِي يُطَيِّبُ غَيْرَهُ وَهُوَ طَيِّبٌ) إحياء علوم الدين (1/55).

وما أجمل ما ذكره الإمام ابن جماعة رحمه الله تعالى في آداب الطالب مع شيخه إذ قال:-

(أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَي الشَّيْخ جلْسَةَ الأَدَبِ، كَمَا يَجْلِسُ الصَّبِيُّ بَيْنَ يَدَي المُقْرِئ، أَو مُتَرَبِّعًا بِتَوَاضِعٍ وَخُضُوْعٍ، وَسُكُوْنٍ وَخُشُوْعٍ، وَيُصْغِي إِلَى الشَّيْخِ نَاظِرًا إِلَيْهِ، وَيُقْبِلُ بِكُلِّيَتِهِ عَلَيْهِ، مُتَعَقِّلًا لِقَوْلِهِ، بِحَيْثُ لَا يحوجُهُ إِلَى إِعَادَةِ الكَلَامِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَلَا يَلْتَفِتُ مِنْ غَيْرِ ضَرُوْرَةٍ، وَلَا يَنْفَضُ كُمَّهُ، وَلَا يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، وَلَا يَعْبَثُ بِيَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَلَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ أَوْ فَمِهِ، أَوْ يَعْبَثُ بِهَا فِي أَنْفِهِ، أَوْ يَسْتَخْرِجُ بِهَا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَفْتَحُ فَاهُ، وَلَا يَقْرَعُ سِنَّهُ، وَلَا يَضْرِبُ الأَرْضَ بِرَاحَتِهِ، أَوْ يَخُطُّ عَلَيْهَا بِأَصَابِعِهِ، وَلَا يشْبِكُ يَدَيْهِ، أَوْ يَعْبَثُ بِإِزَارِهِ. وَلَا يَسْتَنِدُ بِحَضْرَةِ الشَّيْخِ إِلَى حَائِطٍ، أَوْ مَخَدَّةٍ أَوْ يَجْعَلُ يَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ، وَلَا يُعْطِي الشَّيْخَ جَنْبَهُ أَوْ ظَهْرَهُ، وَلَا يُكْثِرُ كَلَامَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا يَحْكِي مَا يُضْحَكُ مِنْهُ وَمَا فِيْهِ بَذَاءَة، أَوْ يَتَضَمَّنُ سُوْءَ مُخَاطَبَةِ أَوْ سُوْءَ أَدَبٍ، وَلَا يَضْحَكُ لِغَيْرِ عَجَبٍ وَلَا لَعَجبٍ دُوْنَ الشَّيْخِ، فَإِنْ غَلَبَهُ تَبَسَّمَ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، وَلَا يُكْثِرُ التَّنَحْنُحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا يَبْصُقُ وَلَا يَتَنَخَّعُ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَا يَلْفِظُ النُّخَامَةَ مِنْ فِيْهِ، بَلْ يَأْخُذُهَا مِنْ فِيْهِ بِمِنْدِيْلٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ، وَيَتَعَاهَدُ تَغْطِيَةَ أَقْدَامِهِ وَسُكُوْن يَدَيْهِ عِنْدَ بَحْثِهِ، أَوْ مُذَاكَرَتِهِ، وَإِذَا عَطَسَ خَفَضَ صَوْتَهُ جهْدَهُ، وَسَتَرَ وَجْهَهُ بِمِنْدِيْلِ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ إِذَا تَثَاءَبَ سَتَرَ فَاهُ بَعْدَ رَدِّهِ جَهْدِهِ —.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ تَعْظِيْمِ الشَّيْخِ، أَنْ لَا يَجْلِسَ إِلَى جَانِبِهِ وَلَا عَلَى مُصَلَّاهُ أَوْ وسَادَتِهِ، وَإنْ أَمَرَهُ الشَّيْخُ بِذَلِكَ فَلَا يَفْعَلُهُ إِلّا إِذَا جَزَمَ عَلَيْهِ جَزْمًا يَشقُّ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ، فَلَا بَأْسَ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي تِلْكَ الحَالِ، ثُمَّ يَعُوْد إِلَى مَا يَقْتَضِيْهِ الأَدَبُ) آداب العلماء والمتعلمين (ص: 16).

وصدق أحمد شوقي رحمه الباري سبحانه إذ قال:ـ

قُـــمْ لِلْـمُـعَـلِّـمِ وَفِّـهِ الـتَّـبْـجِـــيْـلَا *** كَــــادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُوْنَ رَسُوْلا

أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الّذِي *** يَبْنِي وَيُـنْـشِـئُ أَنْفُـسًا وَعُـقُـوْلا   

والله تقدست أسماؤه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.