19/2/2024
نص السؤال:
هل يجوز لإمام المسجد أنْ يجهر بالقراءة في صلاة الظهر؟
الاسم: عمر حسين حميد
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرُك على زيارتكَ لهذا الموقع الميمون، وأذكّر جنابك الكريم بضرورة السّلام قبل السؤال، فهذا من أدب الإسلام.
الجهر في صلاة الظهر مخالف للسنّة المطهّرة، فإنْ فعل ذلك وجب أنْ يسجد للسهو احتياطا.
قال الحق عزّ شأنه:-
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [سورة الروم: 17 – 18].
وَعَنْ أَبِي مَعْمَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وَقَالَ الإِمَامُ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ:
(صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ) الإمام عبد الرزاق رحمه الله عزّ وجلّ.
أي لا يجهر فيها.
قال السادة الحنفية رحمهم الله جلّ شأنه:- إنّ الجهر فيما يجهر به، والمخافتة فيما يخافت به من واجبات الصلاة، و يوجبون سجود السهو على مَنْ جهر في صلاة الظهر أو العصر، جاء في الفتاوى الهندية:-
(وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ إلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ، أَوْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَقْدِيمِهِ، أَوْ تَكْرَارِهِ، أَوْ تَغْيِيرِ وَاجِبٍ بِأَنْ يَجْهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ وُجُوبُهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَرْكُ الْوَاجِبِ) الفتاوى الهندية (1/126).
وقال جمهور الفقهاء من السادة المالكية والشافعية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم:- إنَّ الجَهْرَ والإسْرَارَ من سُنَنِ الصَّلاة، لكن تعدّدت آراؤهم فيمَن يَجْهَرُ في موضع الإسْرَار، أو يُسِرُّ في موضع الجَهْر، على النحو الآتي:-
يرى السادة الْمَالِكِيَّةُ رحمهم الله جلّ في علاه أنّ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ، وَالسِّرَّ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ الَّتِي تَنْجَبِرُ بِسجود السهو، جاء في أسهل المدارك ما نصّه:ـ
(السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ “السِّرُّ” أَي فِيْمَا يُسَرُّ فِيْهِ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: “فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَثَالِثَةِ المَغْرِبِ وَآخِرَتَيّ العِشَاءِ” يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ السِّرِّ يَكُوْنُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَأَخِيْرَةِ المَغْرِبِ وَأَخِيْرَتَيّ العِشَاءِ — وَإِنَّمَا الّذِي يَنْجَبِرُ بِالسُّجُوْدِ: السُّنَنُ المُؤَكَّدَةُ وَهِيَ ثَمَانِيَة. قِرَاءَةُ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ، وَالسِّرُّ وَالجَهْرُ فِي الفَرِيْضَةِ كُلٌّ فِي مَحَلِّهِ، وَالتَّكْبِيْرُ سِوَى تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ، وَقَوْلُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، وَالجُلُوْسُ لَهُ، وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ. وَلَا يَسْجُدُ لِغَيْرِ هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ) أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك (1/208).
وذَهَبَ السادة الشَّافِعِيَّة رحمهم ربّ البرية جلّ جلاله إِلَى أَنَّ مَنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الإْسْرَارِ، أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَلاَ سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا، قال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ:ـ
(وَيُسْتَحَبُّ الإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالثَّالِثَةِ مِنَ المَغْرِبِ وَالأُخْرَيَيْنِ مِنَ العِشَاءِ لِأَنَّهُ نَقل الخَلَف عَنِ السَّلَفِ — وَلَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، أَوْ عَكَسَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ ارْتَكَبَ مَكْرُوْهًا، هَذَا مَذْهَبُنَا) المجموع شرح المهذب (3/389 – 390).
وبمثل هذا قال السادة الحنابلة رحمهم الله تعالى إنْ جهر عمدًا، أمّا إذا جهر سهوًا فعندهم روايتان، إحداهما أنّه لا يشرع له سجود سهو، والثانية أنّه يشرع له سجود السهو، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-
(مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيَجْهَرُ بِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَفِي الصُّبْحِ كُلِّهَا. الْجَهْرُ فِي مَوَاضِعِ الْجَهْرِ، وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِ الْإِسْرَارِ، لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ، فَإِنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ) المغني (1/407).
وقال أيضا:-
(فَصْلٌ: قَوْلُهُ أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ تَخَافُتٍ، أَوْ خَافَتَ فِي مَوْضِعِ جَهْرٍ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاتَ – فِي مَوْضِعِهِمَا – مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ مِنْ أَجْلِهِ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُشْرَعُ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَسَالِمٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَاكِمُ: لَا سَهْوَ عَلَيْهِ … وَالثَّانِيَةُ يُشْرَعُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) المغني (2/25).
وبناء على ما تقدّم فإنّ الجهر في صلاة الظهر أو العصر مخالف لسنّة سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فإنْ فعل فعليه أنْ يسجد للسهو خروجًا من الخلاف.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.