10/3/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيّدي حضرة الشيخ سعد الله رضي الله عنكم سيّدي وأرضاكم حفظكم الله وبارك فيكم.

سؤالي:ـ حول حكم الاستعداد وتزيين البيت استقبالا للشهر الفضيل شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات.

 

الاسم: سائلة

  

الرد:ـ

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكراً جزيلاً على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، وكلّ عام وأنتم بخير.

الجواب باختصار:- 

لا حرج مِنْ الاستعداد لشهر رمضان المبارك بإظهار الفرح وتعليق الزينة مِنْ غير مغالاة أو إسراف أو تبذير، بل في ذلك تعظيمٌ وتوقيرٌ لشعائر الله تعالى، وأنْ يصحب ذلك، الاستعداد الروحي لتفعيل هدايات هذا الشهر الكريم في واقع الحياة العملية.

التفصيل :-

قال الله جلّ جلاله في محكم كتابه العزيز:-

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 185].

شهر رمضان زمنٌ مخصوصٌ بالتجلّيات والبركات والأُعطيات، جعله الله سبحانه محلاً لتحقيق ركنٍ من أركان هذا الدِّين الحنيف، ألَا وهو ركن الصيام، ولقد كان حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يستقبل هذا الشهر بابتهاجٍ وسرور، ويُنبّه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم لفضيلة هذا الشهر وكيفية استقباله، مع تبشيره لهم، فيقول:-

(أتاكُم رَمضانُ شَهرٌ مبارَك، فرَضَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفَتَّحُ فِيْهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ فِيْهِ أَبْوَابُ الجَحِيْمِ، وَتُغَلُّ فِيْهِ مَرَدَةُ الشَّياطينِ، للَّهِ فِيْهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) الإمام النسائي رحمه الله جل وعلا.

ولقد دعت شريعتنا الغرّاء لتعظيم شعائر الله تعالى، فقال عزّ من قائل:-

{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سُورَةُ الحَجِّ: 32].

وتعظيم الشعائر ينبغي أنْ يكون من ناحيتيّ الجوهر والمظهر، وأقصد بتعظيم الجوهر أي ضبط أدائها بآدابها وشروطها وأركانها المطلوبة، بقلبٍ حاضرٍ وفكرٍ واعٍ مُتطلعين بذلك لرحمة الله جلّ جلاله، ونيل ثمراتها الروحية في الدنيا والآخرة.

أمّا ناحية المظهر فلا شكّ أنّ تعظيم الشعائر في الظاهر والحسّ دلالة على توقيرها وشكرها، فلقد شرع الله سبحانه للهدي الذي يُهدى للحرم المحترم أنْ يكون جميلًا مقلدًا بقلائد لتمييزها عمّا سواها؛ قال الله عزّ شأنه:-

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سُورَةُ المَائدَةِ: 97].

وعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعنكم قالت:-

(أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُوْلِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُوْلُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ علَى رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ أحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

وعليه يُستحب الاستعداد لهذا الشهر العظيم ظاهرًا وباطنًا، حِسًّا ومعنى، جوهرًا ومظهرًا، ففي ذلك تعظيم لشعائر الله تبارك في علاه، وتثبيتٌ لها في قلوب الأجيال القادمة؛ فكم يفرح الأطفال إذ يشاهدوا الزينة، وصور الابتهاج المتنوعة فتنطبع في أذهانهم، وتتعلّق بها قلوبهم النقية، فتذكرهم بهذا الشهر الفضيل.

وينبغي أنْ تكون الزينة من غير إسراف أو مشابهة لما عليه الملل الأخرى، يُصاحبها زينة الأخلاق الفاضلة بالجود والإحسان والرحمة والمحبة للجميع، خصوصًا أهل الدار والأقرباء والجار؛ فهذا هو خُلق الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه؛ فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-

(كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُوْنُ فِي رَمَضَانَ حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبْرِيْلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآن، فَلرَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيْحِ المُرْسَلَةِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.