1/4/2024
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاكم الله تعالى كلّ خير على ما تقدموه في هذا الموقع الكريم، وأسأل الله تعالى لكم المزيد من التوفيق.
عفوا سيّدي، سمعت حضرتكم تذكرون رأي الإمام أبي حنيفة النعمان في جواز إخراج صدقة الفطر نقدا، فهل هناك مَنْ يوافقه هذا الرأي؟
الاسم: محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
نعم، هناك الكثير من العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم وافقوا الإمام أبا حنيفة النعمان رحمه الرحمن جلّ جلاله.
قال الحق عزّ شأنه:-
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [سورة الأعلى: 14].
وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-
(فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّت صفاته.
وقد تعدّدت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم إخراج القيمة في صدقة الفطر، فمنهم مَنْ منعها لأنّ الأحاديث الشريفة التي وردت لم تذكر إلا الطعام، منها ما ثبت في الصحيح، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-
(كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والأقط هو اللبن المتحجّر مثل الجبن.
وقال السادة الحنيفة ومَنْ وافقهم رحمهم الله عزّ وجلّ بجواز إخراج صدقة الفطر نقدا، واستدلوا على ذلك بعموم قوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(اغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا.
فالإغناء بالمال أعمّ من الإغناء بالطعام.
وردّوا على أدلّة منْ خالفهم بالقول:-
(وَعِنْدَنَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مَعْلُولٌ بِكَوْنِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا نَذْكُرُ، وَذِكْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِلتَّيْسِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، — وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: الدَّقِيقُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَالدَّرَاهِمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الدَّقِيقِ، وَالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/72).
وقالوا أيضًا:-
(وَأَمَّا صِفَةُ الْوَاجِبِ فَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَيْنٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ الْقِيمَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ فُلُوسًا، أَوْ عُرُوضًا، أَوْ مَا شَاءَ، وَهَذَا عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الزَّكَاةِ.
وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِوُجُوبِ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، وَفِي تَجْوِيزِ الْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ حُكْمُ النَّصِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْحَقِيقَةِ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ»، وَالْإِغْنَاءُ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ بَلْ أَتَمَّ وَأَوْفَرَ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ الْحَاجَةِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِالْإِغْنَاءِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَجْوِيزِ الْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ حُكْمُ النَّصِّ فِي الْحَقِيقَةِ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/73).
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا القول لم يقتصر على السادة الحنفية وحدهم بل سبقهم في ذلك بعضُ الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فقد قال سيّدنا معاذ بن جبل رضي الله سبحانه عنه لأهل اليمن:-
(ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ – أَوْ لَبِيسٍ – فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
والعَرْض: كل ما عدا النقود.
والخميص: ثوب صغير مربع ذو خطوط.
واللبيس: ملبوس أو كل ما يلبس.
وهنا أخذ سيّدنا معاذ رضي الله تعالى عنه الثيابَ في الصدقة بدلا عن الشعير والذَّرَة، وبيّن العلة في ذلك بأنّه أهون على المزكّي، وأفضل لأهل المدينة لأنّهم كانوا بحاجة إلى ذلك، فكان هذا دليلا واضحا على مراعاة الحال والحاجة.
وفعل سيّدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما مثل ذلك تقريبا، فَعَنْ سيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-
(كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
فرؤيته أنّ مُدًّا من الحنطة السمراء يعدل مُدَّين من غيرها دليل آخر على أنّ سيّدنا معاوية رضي الله تعالى عنه نظر إلى القيمة.
قال الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله جلّ ذكره:-
(ثمَّ اعْلَم أَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ دَفْعَ الْقِيْمَة فِي الزَّكَاةِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَكَذَا فِي الْكَفَّارَةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالنَّذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللهِ وَابْنِ مَسْعُوْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذ وَطَاوُوْس. وَقَالَ الثَّوْريّ: يَجُوْزُ إِخْرَاجُ الْعَرُوْضِ فِي الزَّكَاة إِذَا كَانَتْ بِقِيمَتِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ البُخَارِيّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (9/8).
وفي هذه النصوص بيانٌ بأنّ بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم كانوا يقولون بجواز إخراج القيمة في الزكاة، يؤيّد ذلك ما ذكره أبو إسحاق السبيعي رحمه الله تعالى وهو أحد أئمة التابعين إذ قال:-
(أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ جلاله.
وقد أدرك أكثر من ثلاثين صحابيًا، من بينهم سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
فالذين أجازوا دفع القيمة في زكاة الفطر من أهل العلم والفضل:-
1- الخليفة الراشد سيّدنا عمر بن عبد العزيز (61 هـ – 101 هـ) رضي الله تعالى عنه وعنكم.
2- الإمام الحسن البصري (21 هـ – 110 هـ) رضي الله عنه وأرضاه.
3- التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح (توفي سنة 114 هـ) رحمه الله جلّ في علاه.
4- الإمام سفيان الثوري (97 هـ – 161 هـ) رحمه الله عزّ وجلّ.
5- الامام يحيى بن معين (158 هـ – 233 هـ) رحمه الله جلّ ثناؤه.
6- الإمام إسحاق بن راهويه (161 هـ – 238 هـ) رحمه الله سبحانه.
7- الإمام أحمد بن حنبل (164 هـ – 241 هـ) رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله في قول.
8- الإمام البخاري (194 هـ – 256 هـ) رحمه الله عزّ وجلّ:-
(قَالَ بن رَشِيدٍ وَافَقَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةَ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالَفَتِهِ لَهُمْ لَكِنْ قَادَهُ إِلَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ) فتح الباري (3/312).
9- الشيخ ابن تيمية (661 هـ – 728 هـ) رحمه الله تعالى إذ قال بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر وغيرها للمصلحة الراجحة:-
(وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ – فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ) مجموع الفتاوى (25/79). يعني القول الأخير.
وقال أيضًا:-
(وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَأَحْمَد – رَحِمَهُ اللَّهُ – قَدْ مَنَعَ الْقِيمَةَ فِي مَوَاضِعَ وَجَوَّزَهَا فِي مَوَاضِعَ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَقَرَّ النَّصَّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلِهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ وَلِأَنَّهُ مَتَى جَوَّزَ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَعْدِلُ الْمَالِكُ إلَى أَنْوَاعٍ رَدِيئَةٍ وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقْوِيمِ ضَرَرٌ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِي قَدْرِ الْمَالِ وَجِنْسِهِ وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ أَوْ الْعَدْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) مجموع الفتاوى (25/82).
10- الإمام الرملي الشافعي (919 هـ – 1004 هـ) رحمه الله تعالى إذ قال:-
(فَيَجُوزُ فِيهَا لِلْمَرْءِ الْمَذْكُورِ تَقْلِيدُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فِي إخْرَاجِ بَدَلِ الزَّكَاةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فتاوى الرملي (2/55)
وهذا الذي أرجّحه.
وختامَا أحبّ أنْ أوجّه من خلال هذا المنبر المبارك كلمة فأقول وبالله تعالى التوفيق:-
“يا أمّة سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، إنّ شهر رمضان جمعنا في كثير من الشعائر، نفطر ونمسك في وقت واحد، والمساجد تمتلئ بالمصلين يقفون في صفوف متناسقة لا اعوجاج فيها خلف إمام يصلي بهم الفرض والتراويح والوتر، وهذا وغيره يجب أنْ يرقي بأحوالنا ويسمو بها إلى مصافّ وحدة القلوب، وتقبّل الرأي الآخر، لا سيما إذا كان سنده دليلا معتبرا”
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوحدّ صفّ المسلمين ويجعلهم إخوة متحابّين بكرمه إنّه سبحانه أكرم الأكرمين.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.