24/4/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الحبيب.

حفظكم الله ورعاكم وأدامكم نوراً للناس أجمعين.

سيّدي الحبيب سؤالي هو: هل يجوز لمن اشترى كتاباً أن يقوم بنشره وتوزيعه على النت بصيغة pdf، أو غيرها، علما أن دار الطباعة والمؤلف يرفضان ذلك لما يلحق من الضرر بهما.

ورأيت فتوى تقول: عقد البيع يقتضي مطلق التصرف في المبيع، فإذا شرط عدم التصرف في المبيع فسد عقد البيع؛ لمخالفته لمقتضاه، لكن يقيد تجديد الطباعة بإذن صاحب الكتاب أو الدار الناشرة؛ للضرر الذي يلحقهما بذلك.

فما هو جوابكم الكريم، وتوجيهكم السديد سيّدي.

 

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.

الجواب باختصار:-

إنّ حكم نشر الكتب على صيغة الكتاب الرقمي (pdf) ممّا تعدّدت فيه آراء أهل العلم المعاصرين رضي الله تعالى عنهم وعنكم كما تفضّلتم، والذي يميل إليه خادمكم الجواز إذا كانت الأمّة بحاجة ماسّة إلى الكتاب.

التفصيل:-

يمكن تقسيم الكتب إلى قسمين:

الأول: الكتب التي تحتاجها الأمّة في نهوضها دينا أو دنيا، فهذه ممّا يجوز نشرها بكلّ السبل.

وذلك لأنّ هذا القسم ممّا تعارضت فيه المصلحة العامّة لأفراد الأمّة، والمصلحة الخاصّة لصاحب الكتاب أو دار النشر، وقد قرّر العلماء رحمهم الله عزَّ وجلَّ في هذه الحالة تقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصة. ينظر: كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى (3/95).

وفي نشر هذه الكتب تعاون على البرّ والتقوى والحقّ جلّ جلاله يقول:ـ

{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة: 2].

وفي عدم نشرها كتم للعلم وهذا من الكبائر فقد روي عن حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام أنّه قال:ـ

(مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ في الدِّينِ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّار) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.

وفي عدم نشرها احتكار للعلم وقد قال سيّد المرسلين وإمام المتقين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:ـ

(لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.

خصوصًا إذا لم تستطع الدار نشر الكتاب في المعمورة، أو نشرته لكن بأسعار باهظة تثقل كاهل طلاب العلم وأفراد الأمّة.

الثاني: الكتب التي لا تحتاجها الأمّة بل هي من الترف الفكري، فهذه ممّا ينبغي أنْ لا تنشر إلّا عن طريق أصحابها؛ ويكره نشرها دون إذن منهم.

وذلك لأنّ في نشرها مصلحة خاصّة لبعض أفراد الأمّة ومفسدة خاصّة لصاحب الكتاب أو الدار؛ وقد قرّر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ درء المفسدة الخاصّة أولى من جلب المصلحة الخاصّة. ينظر: الأشباه والنظائر للإمام تاج الدين ابن السبكي رحمه الله تعالى (1/105).

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.