5/6/2024

جواب السؤال (1086): 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله تعالى كلّ خير على ما تقدموه في هذا الموقع النافع، وأرجو أنْ تتكرموا عليّ بالإجابة عن هذا السؤال الذي يثار في كثير من مواقع التواصل وهو:ـ

ثبت في القرآن الكريم أنّ للمرأة ملك يمين في سورتي النور والأحزاب، فهل يعني هذا أنّه يحقّ لهنّ ما يحقّ للرجل في ملك اليمين من المعاشرة؟

وجزاكم الله تعالى خيرا.

 

الأسم: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.

الجواب باختصار:-

ملك اليمين: هم الأَرِقاء المملوكون لِمَنْ ملكهم عبيداً، ذكوراً أو إناثاً، وهذا قد انتهى بفضل الله تعالى، وهدايات دّينه الحنيف.
ولَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ بزواج أو بدونه قولاً واحداً.

التفصيل:-

قال الله جل جلاله:-

{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [سورة المؤمنون: 5 ـ 7].

والمقصود بقوله (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ): النساء مِن الرقيق، وهنّ الإماء، إذ يحقّ لمالكهنّ أن يطأهنّ مِن غير عقد زواج، ولا شهود، ولا مهر، فهنّ لسْنَ أزواجاً، فإذا جامعهنَّ سُمّيْنَ (سراري) جمع: سُرّيـة.

وقد انتهى الرق تقريباً في عصرنا هذا، فلم يعد هناك عبيد ولا إماء لأسباب معروفة، وهذا لا يعني إبطال أحكام الرق إذا وجدت أسبابه، كالجهاد المشروع بوجود دار الإسلام بضوابطه المعروفة، ولا وجود لها على الأرض حالياً، وأرجو لبيان هذا الأمر مراجعة جواب السؤال المرقم (2884) في هذا الموقع المبارك.

وعليه فالناس أحرار جميعا، قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:ـ

(فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ) المُغني  للإمام لابن قدامة  رحمه الله عزّ وجل (6/ 112).

فالحرية حق الله جلّ وعلا لا يستطيع أحد إبطاله إلا بحكم الشرع الحنيف؛ ومن هنا قال العلماء رحمهم الله تبارك اسمه:ـ

(لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ بِرِضَاهُ) فتح القدير للإمام ابن الهمام رحمه الله المنان سبحانه (8/ 268).

أما جواباً عن سؤالكم فإنّ أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم ذكروا أنّ المراد بهذه الآية الكريمة هم الرجال دون النساء، بخلاف الآيات الأخرى التي جاءت معها في أول سورة المؤمنون؛ فإنها عامة في الرجال والنساء، وإليك بعض أقوالهم رحمهم الله عزّ شأنه:ـ

(وَالْآيَةُ فِي الرِّجَالِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ وَالْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ [لها] أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِفَرْجِ مَمْلُوكِهَا. فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، يَعْنِي يَحْفَظُ فَرْجَهُ إِلَّا مِنَ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ عَلَى ذَلِكَ) تفسير البغوي رحمه الله جلّ جلاله (3/ 359).

(قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:” مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله” وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ” فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:” إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ”. وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ”. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ) تفسير الإمام القرطبي رحمه الله جل في علاه (12/ 105).

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ الْفَرْجُ: يُطْلَقُ عَلَى فَرْجِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَمَعْنَى حِفْظِهِمْ لَهَا أَنَّهُمْ مُمْسِكُونَ لَهَا بِالْعَفَافِ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ. قِيلَ: وَالْمُرَادُ هُنَا الرِّجَالُ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ) فتح القدير للإمام للشوكاني رحمه الله تبارك اسمه (3/ 561).

 

وعليه فلا يجوز أن تنكح المرأة ما مَلكت يمينها من الرجال؛ فهذا مُنكر بإجماع علماء المسلمين، سواء أكان المقصود أن يتزوجها أو يجامعها بغير زواج ؛ لأنها سيدته، وذكر العلماء هذا الإجماع على بطلان وحرمة هذا النكاح:-

(وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا بَاطِلٌ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْت جَابِرًا عَنْ الْعَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَهُ، فَقَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ، وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَكِ. وَلِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ مَعَ أَحْكَامِ الْمِلْكِ يَتَنَافَيَانِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِحُكْمِهِ، يُسَافِرُ بِسَفَرِهِ، وَيُقِيمُ بِإِقَامَتِهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَيَتَنَافَيَانِ) المغني (7/ 148).

وجاء في الموسوعة الفقهية:ـ
(لَيْسَ لِلْمَالِكِ الذَّكَرِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَمْلُوكِهِ الذَّكَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَاخِلاً فِيمَا أَبَاحَتْهُ الآْيَةُ السَّابِقَةُ، بَل هُوَ لِوَاطَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَدْخُل فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَمَل قَوْمِ لُوطٍ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ عَلَى مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمَالِكُ امْرَأَةً وَالْمُسْتَمْتَعُ بِهِ الْمَمْلُوكَةَ الأُْنْثَى لاَ يَدْخُل فِيمَا أَبَاحَتْهُ الآْيَةُ السَّابِقَةُ، بَل هُوَ مِنَ السِّحَاقِ الْمُحَرَّمِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ امْرَأَةً وَالْمَمْلُوكُ ذَكَرًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِهِ، أَوْ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَلاَ لَهُ أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَل هُوَ عَلَيْهَا حَرَامٌ، وَهِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَلِيَّةً، أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ) ( 23/ 46).

وينبغي العلم بأن الدليل من الكتاب والسُنة المُشرفين يحتاج إلى دِلالة وهو الفهم، والأخير بحاجة إلى المُستدل وهو المجتهد من العلماء العاملين لكي يُعطي للمُكلف المدلول وهو الحكم، وهذا مُتعسر على العامة من الناس؛ فتثار بسبب الجهل قصدا أو بغير قصد مثل هذه الشبهات التي تضمحل وتتلاشى أمام أنوار العلم وضياء الهدايات.
وكما أن الله تعالى أباح تعدد الزوجات للرجال فقط، فقد أباح لهم الاستمتاع بما ملكت أيمانهم من النساء؛ إذ يُنسب إليه الولد، وبه تتحول السرية إلى أم ولد، وبعكسه يُحرم على المسلمة الزواج بأكثر من رجل وذلك لأنه مظنة لضياع النسب ومخالفة الفطرة، وهذا يكون من باب الأولى في مسألة ملك اليمين، فالأمر فيه مخالفة لمقاصد الشريعة الغراء في حفظ الأعراض والأنساب فضلا عن مقصد حفظ النفس التي أكرمها الله تعالى بالحرية؛ فلا يخفى بأنّ الولد يأخذ حُكم أبيه في العبودية، وهب أنّ هذا الأمر كان مباحاً فهل يستقيم عقلا وفطرة بأنْ تستمتع زوجة المرء أو بنته أو أخته بعبده!
والله جلّ ذكره أعلم.

وصلى الله تعالى على خير مُعلم سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.