5/6/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه واقتدى واهتدى بهداه ورضي الله تبارك وتعالى عنكم وارضاكم سيدنا حضرة الشيخ الفاضل الجليل السؤال هل الجنة والنار تفنيان ؟ على اعتبار قوله تبارك وتعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه) مع جزيل الشكر سلفا.

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.

الجواب باختصار:-

إنّ من عقيدة المسلمين أنّ الجنّة والنّار من المخلوقات التي كَتب الله تعالى لها البقاء، كما أخبر عز وجلَّ في آيات كثيرة كقوله سبحانه:- {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [سورة النساء: 57].

وأما قوله جلّ ذكره:- {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: 88].

فقد حمله العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على وجوه منها : أنّ الله تبارك وتعالى أراد الاستحالة من شيء إلى شيء، ومن حال إلى حال، وهذا عام لجميع المخلوقات.

وكذلك مُدَدُّ النعيم في الجنة والعذاب في النار كلما فنيت أحدث الله عز وجل أخرى وهكذا أبدا بلا نهاية. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/70).

التفصيل:-

لقد صَرَّحَ العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ الجنة والنار من المخلوقات التي كَتَبَ الله عزّ وجل لها البقاء وهي ثمانية.

قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى جامعا لها:

ثَـمَانيةٌ حُكمُ البقَاءِ يَعُمُهَا  *** مِن الخَلقِ والبَاقونَ في حَيزِ العَدمْ

هي العرشُ والكرسي نارٌ وجنةٌ*** وَعَجْبٌ وَأرواحٌ كَذا اللوحُ والقَلمْ

وقال الإمام سراج الدين الأوشي في قصيدته المباركة بدأ الأمالي:

ولا يفنى الجحيم ولا الجنان *** ولا أهلوهما أهل انتقال

وأمّا توجيه الآية الكريمة:- {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: 88] فإنها محتملة لوجوه:

1- المراد بالهلاك التّحولُ من شيء إلى أخر، والجنة مثلا مُتجددةُ النعيم، نعيمٌ يتلو نعيما أعظم منه.

2- أنّ العموم في قوله تعالى:- {كُلُّ شَيْءٍ} عام يراد به الخصوص، أي: كل شيء أراد الحق تبارك وتعالى إهلاكه، كما في قوله جلّ وعلا في حديثه عن الريح التي أرسلها على قوم عاد:ـ

{ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الأحقاف: 24، 25].

فانظر يا رعاك الله كيف خَصَّصَ العموم  الذي في قوله:- {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} بقوله:- {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} فالمساكن لم تُدمَّر بل خُصّت من هذا العموم.

3- أنّ الأصل في الهلاك أنْ يكون واقعا على ما فيه روح.

4- أنّ الجنّة والنّار ستعطل من سُكْانِها حين النّفخِ في الصور، وتُعَطَّلُ الدِّيار من سُكانها يُسمى هلاكا، كما في قوله جلّ جلاله:- {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [سورة الأعراف: 4].

وليس المراد فناء القرية من الأرض، وعدم بقاء أثر لها، بل إنّما المراد هلاك من كفر بالله تعالى من سكانها، بدليل بقاء المساكن بعد الإهلاك في قوله عزّ شأنه:-

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [سورة القصص: 58].

 

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.