29/11/2009

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السلام عليكم أيّها العالم الجليل ورحمة الله وبركاته

س: ما حكم الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، أي تطبيق حديث ابن عباس -رضي الله عنه- الذي هو كما تعلمون في صحيح الإمام البخاري، مع الأخذ بنظر الاعتبار المشقة في أداء تلك الصلوات المذكورة بشكل منفرد لكل صلاة، لاقتضاء عملي ذلك، وظرف البلد الذي لا يخفى عليكم.

واللهَ أسأل أنْ يوفقكم ويسدد خطاكم.

أفتوني جزاكم الله خيراً.

 

الاسم: خادم العلماء

 

الـرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

الحديث الذي ذكرته ورد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-

(صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا).

وفي الحديث الذي ورد في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى عنه أيضًا:-

(‏صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا، لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ).

فالحديث بروايتيه المذكورتين دليل على أنّ الأصل هو عدم الجمع، لأنّهم كانوا يعلمون أنّ الجمع أمر استثنائي عن الأصل في مثل الأحوال المذكورة، فمَن استدل بحديث سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما على أنّ الجمع جائز في كلّ الأحوال فقد جانب الصواب، وممّا يزيد هذا وضوحًا سؤال أبي الزبير رضي الله تعالى عنه سعيدًا (لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟) فهو يدلّ على أنّ الفعل هذا -أعني الجمع- لم يكن معهودًا إلّا لسبب، فبيّن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما السبب وهو رفع الحرج عن أمته، فإذا وقعت الأمّة في حرج لسبب من الأسباب فلها أن تأخذ بهذه الرخصة ما دام السبب المحرج قائما، على ضوء هدايات القاعدة الأصولية:-

(إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ).

وممّا يُستأنس به في هذا أيضًا ما ورد في حديث:-

(مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الكَبَائِرِ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

وهذا الحديث وإنْ قيل بضعفه لكن تؤازره الآيات التي استأنس بها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ الصلوات موقوتة بأوقاتها المبيّنة في الأحاديث الصحيحة والحسنة.

كذلك فإنّ جمع الفريضتين في وقت واحد -دون وجود عذر- يُفقدها كثيرًا من حِكَم التقيّد بأوقاتها: فمثلاً المسلم يكرّر الطهارة لكلّ فرض -غالبًا- وهذا يحقّق هدف الشرع الشريف في تطهيره من الذنوب والآثام والارتقاء إلى أعلى درجات الطهارة الحسيّة والمعنوية كما في الحديث الصحيح:-

(أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وهذا بإذن الله جلّ في علاه كافٍ لهداية كلّ مَنْ يقرأ هذا الجواب إلى حكم كثيرة أخرى لا تخفى.

وبالنسبة لموضوعك أخي العزيز فلا أرى سببًا يجيز لك الجمع بصورة دائمة، خاصة أنّ الوضع الآن في العراق -بفضل الله سبحانه- قد تحسّن كثيرًا عن السابق، ومع ذلك أرى أنْ تعرض المسألة بكلّ جوانبها على أحد العلماء القريبين منك كي يقدّر ظرفك وطبيعة عملك بشكل أدقّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.