20/6/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سيدي حضرة الشيخ أمدكم الله تعالى بدوام الصحة وتحقيق مرادكم.

سؤال: بعد أن يُدفنُ الميت في المقبرة يقف أقاربه صفوفاً بين القبور، ويبدأ المشيعون بتعزيتهم داخل المقبرة.

فما حكم هذه التعزية.

 

الاسم: محمد

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكراً على دعواتك الطيّبة المباركة، وأسال الله جل ّ في علاه لكم راحة البال، وتحقيق الآمال، ورُقّي الحال، إنّه سبحانه الكبير المتعال.

 الجواب باختصار:-

التّعزية جائزة قبل الدفن وبعده.

 التفصيل:-

ينبغي أن يُعْلَم أنَّ الموت والحياة مخلوقان يُحزن في أولهما ويُفرح في الثاني وهذه سنّة الله تعالى في خلقه.

قال الله سبحانه وتعالى:-

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [سورة الملك:2].

والتّعزية كما هو معلوم عند كثير من النّاس شُرِعت من أجل مواساة أهل الميت وذِكْر ما يُسَليهم ويُهون عليهم.

وقد جاءت النصوص في كتاب ربنا تبارك اسمه وسنّة نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وأقوال العلماء العاملين رحمهم الكريم الرحيم ما جلَت لنا الأبصار وأذهبت عنا الأكدار.

فمن كتاب ربنا جلّ ذكره قوله:ـ

 {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [سورة البقرة: 156].

وقوله سبحانه:ـ

{ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة: 2].

قال الإمام النووي رضي الله تعالى عنه وعنكم:-

 (وأعلم أن التعزية هي: التصبير، وذكرُ ما يسلّي صاحب الميت، ويخفّف حزنه، ويهوّن مصيبته؛ وهي مستحبة؛ فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضاً في قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}) الأذكار(1/269).

ومن سنّة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه:ـ

قوله صلّى الله تعالى  وسلّم عليه وآله وصحبه:ـ

 (مَنْ عَزَّى مُصابًا، فلهُ مثلُ أجرِه) الإمام الترمذي رحمه العليّ جلّ جلاله.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وأصحابه الأعلام:ـ

(التعزية مَرّة) الإمام الديلمي رحمه الله جلّ وعلا.

وقوله فداه أبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه:ـ

 (عَنْ سيّدنا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنه وعنكم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَفَرَ قَبْرًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا خَرَجَ مِنَ الْخَطَايَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَمَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ اللَّهُ أَثْوَابًا مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ عَزَّى حَزِينًا أَلْبَسَهُ اللَّهُ التَّقْوَى وَصَلَّى عَلَى رُوحِهِ فِي الْأَرْوَاحِ، وَمَن عَزَّى مُصَابًا كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّتَيْنِ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ لَا يَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَمَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةً حَتَّى يُقْضَى دَفْنُهَا كُتِبَ لَهُ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ، الْقِيرَاطُ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَمَنْ كَفَلَ يَتِيمًا أَوْ أَرْمَلَةً أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ) الإمام  الطبراني رحمه الباري سبحانه.

ومن أقوال العلماء العاملين رحمهم الرحمن الرحيم

جاء في الفتاوى الهندية في موضوع (مسائل في التعزية) نقلتها بتصرف يسير:

(التَّعْزِيَةُ لِصَاحِبِ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إذَا عَزَّى أَهْلَ الْمَيِّتِ مَرَّةً فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَزِّيَهُ مَرَّةً أُخْرَى.

وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيُكْرَهُ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى إلَيْهِ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا وَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوْلَى مِنْهَا قَبْلَهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يُرَ مِنْهُمْ جَزَعٌ شَدِيدٌ فَإِنْ رُئِيَ ذَلِكَ قُدِّمَتْ التَّعْزِيَةُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُمَّ بِالتَّعْزِيَةِ جَمِيعَ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً شَابَّةً فَلَا يُعَزِّيهَا إلَّا مَحَارِمُهَا.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِصَاحِبِ التَّعْزِيَةِ: غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَيِّتِكَ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ وَتَغَمَّدَهُ بِرَحْمَتِهِ وَرَزَقَكَ الصَّبْرَ عَلَى مُصِيبَتِهِ وَآجَرَكَ عَلَى مَوْتِهِ.

وَأَحْسَنُ ذَلِكَ تَعْزِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» وَيُقَالُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ وَلَا يُقَالُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْكَافِرِ أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ.

وَلَا بَأْسَ لِأَهْلِ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَجْلِسُوا فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُمْ وَيُعَزُّونَهُمْ وَيُكْرَهُ الْجُلُوس عَلَى بَابِ الدَّارِ وَمَا يُصْنَعُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْقِيَامِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ.

وَأَمَّا النَّوْحُ الْعَالِي فَلَا يَجُوزُ وَالْبُكَاءُ مَعَ رِقَّةِ الْقَلْبِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ تَسْوِيدُ الثِّيَابِ وَتَمْزِيقُهَا لِلتَّعْزِيَةِ وَلَا بَأْسَ بِالتَّسْوِيدِ لِلنِّسَاءِ وَأَمَّا تَسْوِيدُ الْخُدُودِ وَالْأَيْدِي وَشَقُّ الْجُيُوبِ وَخَدْشُ الْوُجُوهِ وَنَشْرُ الشُّعُورِ وَنَثْرُ التُّرَابِ عَلَى الرُّءُوسِ وَالضَّرْبُ عَلَى الْفَخِذِ وَالصَّدْرِ وَإِيقَادُ النَّارِ عَلَى الْقُبُورِ فَمِنْ رُسُومِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْبَاطِلِ وَالْغُرُورِ) الفتاوى الهندية (/1 167).

 

وقال الإمام السيوطي رحمه الله جلّ وعلا:-

(وَابْتِدَاءُ مُدَّةِ التَّعْزِيَةِ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الدَّفْنِ) الأشباه والنظائر ص536.

 

وقال الشيخ علي بن حسن الفيومي رحمه الله تعالى:-

(واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده) فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (13/543).

فمما ذكرنا آنفا اتضح وتجلى للقاري أنَّ التعزية تجوز قبل وبعد الدفن مباشرة على أن لا تتجاوز ثلاثة أيام، أي: لا بأس بتقديم واجب العزاء لأهل الميت داخل المقبرة خاصة والناس اليوم قد أشغلتهم هموم الحياة وضنك العيش بل إننا نجد أثناء تشييع الجنازة ودفن الميت يقوم أحد ذويه بشكر الناس على مواساتهم ومشاركتهم ويقولون جزاكم الله تعالى خيرا(كَفّيْتُم ووَفّيْتُم) أي: نكتفي بمجيئكم هنا وبتقديم واجب العزاء، فإنْ دل ذلك على شيء فإنّما يدل على تَفَهم أهل المصيبة ظروف الحياة وانشغال الناس.

والله تقدّست أسماؤه أعلم.

وصلى الله تعالى وسلم وأنعم على أفضل من واسى وحن سيدنا محمد وآله وصحبه أولي الفضل والنعم.