5/12/2009

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدي حضرة الشيخ سعد الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أطال الله عمركم وأدام ظلكم ونفع بكم أمة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم.

سيّدي لدي سؤال:

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38) ((آل عمران)).

ما هو تفسير هذه الآية الكريمة؟ وما الحكمة من اختيار نبي الله زكريا (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) ذلك المكان بالتحديد لكي يدعو الله تعالى، والمعروف أنه نبي، ومقامه أرفع من مقام السيدة مريم العذراء؟

 

ولكم جزيل الشكر والتقدير أبو فائق – اليمن

 

الـرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

ونفع الله عزّ وجلّ بكم، وجعلكم منارات للخير حيثما كنتم، أوفياء لدينكم، معظمين لشعائره، ويوسّع عليكم طاعاتكم وأرزاقكم وذرياتكم.

بالنسبة لتفسير الآية أقول وبالله تعالى التوفيق:-

استجاب الله جلّ في علاه دعاء امرأة عمران عليهما السلام وقَبِلَ منها نذرها:-

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 35].

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 37].

أي: تقبّل تحريرها لخدمة بيت المقدس، فأقام الله سبحانه السيّدة مريم عليها السلام مقام المنقطع لله عزّ شأنه، ولم يكن ذلك مشروعًا من قبل، لأنّ مبنى أحكام النساء على الخفاء فكان هذا القبول للخدمة استثناءً.

(وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)

أي: أنشأها عزّ وجلّ إنشاءً صالحًا، فكانت طاهرة السرّ فائقة الخَلق والخُلق.

(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)

وهذا من فضائلها عليها السلام، فقد تنازع الأحبار على كفالتها، قال تعالى:-

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 44].

أي: ما كنت عندهم يا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فتخبرهم عنهم معاينة عمّا جرى بل أطلعك الله سبحانه كأنّك حاضر حين اقترعوا في كفالة السيّدة مريم عليها السلام طلبا للأجر.

عن سيّدنا عكرمة رضي الله تعالى عنه قال:-

(ثُمَّ خَرَجَتْ بِهَا، يَعْنِي أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ، تَحْمِلُهَا فِي خِرَقِهَا إِلَى بَنِي الْكَاهِنِ بْنِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَالَ: وَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَلُونَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ، فإنّي حررتها، وهي أنثى، ولا يدخل الْكَنِيسَةَ حَائِضٌ، وَأَنَا لَا أَرُدُّهَا إِلَى بَيْتِي، فَقَالُوا: هَذِهِ ابْنَةُ إِمَامِنَا، وَكَانَ عِمْرَانُ يَؤُمُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَصَاحِبُ قُرْبَانِنَا، فَقَالَ زَكَرِيَّا: ادْفَعُوهَا لي فَإِنَّ خَالَتَهَا تَحْتِي، فَقَالُوا: لَا تَطِيبُ أَنْفُسُنَا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا فَكَفَلَهَا.

وقد ذكر بعض المفسرين رضي الله عنهم أنّهم ذهبوا إِلَى نَهْرِ الْأُرْدُنِّ، وَاقْتَرَعُوا هُنَالِكَ عَلَى أَنْ يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت فِي جَرْيَةِ الْمَاءِ فَهُوَ كَافِلُهَا، فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال إنه ذهب صاعدا يَشُقُّ جَرْيَةَ الْمَاءِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ كَبِيرُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ وَعَالِمُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَنَبِيُّهُمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه وعلى سائر النبيين) تفسير القرآن العظيم (2/35) بصرّف يسير.

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}.

وهنا كلام محذوف تقديره -والله سبحانه أعلم- أي: فكانت السيّدة مريم ملازمة لخدمة بيت المقدس، وكانت تتعبد في المحراب، وكان سيّدنا زكريا عليه السلام يتعهدها قيامًا بواجب الكفالة، فيرى كرامة لها أنّ عندها ثمارًا في غير وقت وجود صنفها فيسألها (أَنَّى لَكِ هَذَا)؟ ليؤصل قاعدة شرعية في التربية والشعور بالمسؤولية اتجاه من نرعاهم، فتجيب:-

{هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

وهذه الآية الشريفة فيها هدايات منها:-

1- إذا صدق الإنسان في نذره قبل الله تعالى منه.

2- الاهتمام ببيوت الله عزّ وجلّ تطهيرًا وإدارة.

3- صدق نيّة الوالدين له الأثر العظيم في نشأة الذرية على وصف الصلاح.

4- من سبقت له العناية توج بالكرامة.

5- الشعور بالمسؤولية فريضة مشتركة في الأديان.

6- إثبات كرامات الأولياء -نفعنا الله تعالى بهم-.

7- التسابق للخيرات والتنافس فيها من شيم الصالحين.

8- رعاية الصالحين والقيام على شؤونهم وتعهّد ذرياتهم والحرص على حرمتهم من واجبات المؤمنين في شرائع الله جلّ في علاه.

(هُنَالِكَ)، (هنا) ظرف يشار به إلى المكان القريب كما في آية (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) وتدخل عليه اللام والكاف (هنالك) أو الكاف وحدها (هناك) فيكون للبعيد حسًّا أو معنًى، وقد يشار به للزمان توسعًا، والمعنى:-

في ذلك المكان الطاهر والزمان المبارك الذي كان يلتقي فيه سيّدنا زكريا عليه السلام بالسيدة مريم عليها السلام ويرى ما لها من فضائل وغرائب تحركت عاطفة الأبوّة في نفسه، وهو الشيخ الكبير الذي وهن عظمه واشتعل رأسه شيبًا وبلغ من الكبر عتيًّا وامرأته عاقر، فدعا الله تعالى بقلب سليم ونفس زكية وجوارح خاشعة أنْ يرزقه الذرية الطيبة:-

{قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}.

فأنت الخالق العظيم الذي لا يقف أمام قدرته شيء، جعلتني أرى من أحوال مريم عليها السلام ما يدلّ على قدرتك النافذة وكرمك الواسع، فهب لي من عندك ذرية صالحة تقرّ بها عيني وتكون خلفاً لي من بعد (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) عليم بدعائي عِلمَ من يسمع، قريب الإجابة لمن يدعوك، فإن أجبت فبفضلك، وإن لم تجب فبحكمتك، وهذا الدعاء تضمن أسمى ألوان الأدب وأعلى درجات الخشوع والإنابة.

والآية الكريمة فيها هدايات منها:-

1- الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومَن تبعهم بإحسان يتمسكون بالدعاء في كلّ أحوالهم، حتى تلك التي تستحيل في تقدير البشر.

2- إذا تعطلت أسبابك فاعلم أنّ الله تعالى هو القادر على كلّ شيء فتعلّق به وتذلل في أعتابه، فهو خالق الأسباب ومقدّر الأقدار.

3- أهل الهمم العالية يطلبون الذريّة لمقاصد كبيرة، فلا يريدون ذرية فحسب، بل الصالحة التي تتحمل الأمانة، وتساهم في بناء الحضارة.

4- الوهاب هو الخالق المنعم سبحانه، فإيّاك إذ اكتملت أسبابك أنْ تعتقد أنّها المانحة، نعم هي لها آثاراها لا شك، ولكن بمشيئة الله وإرادته سبحانه:-

{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ} [سورة الشورى: 49].

5- الولاية تكون في الرجال والنساء.

6- تكريم النساء في شرائع الله تعالى لا يختلف فيه منصفان.

7- اغتنام فرصة وجودك في مكان مبارك أو زمان مبارك أو عند ذات مباركة لرفع حوائجك إلى الله الوهاب جلّ جلاله دليلٌ على فقهك وتمسكك بشرع خالقك سبحانه، وأرجى لتلبية حاجاتك واستجابة دعواتك.

8- اختيار الأسماء الحسنى المناسبة لحاجتك ضروري لاستمطار رحمة ربك عزّ شأنه، فإذا سألت المغفرة فقل يا غفور يا سميع، أو العفو فقل يا عفوّ يا سميع، وإذا طلبت ذرية فقل يا وهاب يا منعم يا كريم.. وهكذا.

ويتبيّن ممّا سبق أن سيّدنا زكريا عليه السلام لم يقصد المكان للدعاء، بل ذهب لتفقد السيدة مريم عليها السلام، فلمّا شاهد ما شاهد توجه إلى الله تعالى بالدعاء، مستثمرًا الفرصة السانحة، فحصل ما حصل:-

{فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء * قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}.

9- الآية الكريمة أصل شرعي ينبني عليه جواز التوسل إلى الله تعالى بالأمكنة المباركة والأزمنة الشريفة والذوات المباركة، فهو كما يقول أهل الحق:-

(إنّ لله خواصّ في الأزمنة والأمكنة والأشخاص)

قال تعالى:-

{قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 73 – 74].

ولا يقال: إنّ الآية تتحدث عن شرع مَنْ قبلنا لأنّ شرع مَنْ قبلنا شرع لنا إلّا إذا نُسِخ، ولا ناسخ هنا، بل وردت أدلةٌ ترقى بموضوع التوسل من الجواز إلى الاستحباب، وفي بعض الأحوال إلى الوجوب، ولا أريد أنْ أسترسل بهذا الموضوع كثيرًا، فإنّ العديد من العلماء استفاضوا في بحثه قديمًا وحديثًا رضي الله تعالى عنهم، ولم يمنعه سوى الأقل من القليل لشبهة لا تقوم أمام النصوص الصريحة التي تثبت على الأقل جواز التوسّل، وإليكم بعضها وبالله جلّ وعلا التوفيق:-

أوّلًا: من القرآن الكريم.

1- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة المائدة: 35].

2- {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ} [سورة النساء: 64].

3- {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [سورة البقرة: 125].

 

ثانيًا: من السنّة المطهرة:-

1- عن سيّدنا عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتَ ذَلِكَ وَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ. قَالَ: فَادْعُهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ) قال الإمام الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، المستدرك (1/458)، وسنن ابن ماجه (1/441)، برقم 1385، وسنن الترمذي (5/569)، برقم 3578.

وفي رواية قال:-

(فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا، وَلَا طَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ) الإمام الحاكم رحمه الله جلّ جلاله.

2- عن سيّدنا عُتبان بن مالك رضي الله سبحانه عنه قال:-

(— وَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقَالَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

3- وعن السيّدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما:-

(هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، — كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.

هذه قبسات من هدايات الكتاب والسنّة، تكفي الواحدة منها لتنوير عقول وقلوب الأجيال وقطع الجدال في مسألة التوسل إلى الله تعالى بالذوات المباركة والأمكنة والأزمنة الشريفة وما إلى ذلك.

أمّا قولك أخي السائل الكريم (مع إنّ مقام سيّدنا زكريا أعلى). فهذا حقّ، ولكن الشرع الشريف -ويبدو أنّ الحكم نفسه في شرع سيّدنا زكريا عليه السلام- جوّز توسّل الفاضل بالمفضول، فهذا سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه يسأل الله جلّ في علاه بحقّ السائلين كما في الحديث الشريف:-

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا —) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.

ولا شكّ أنّ حبيبنا عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام هو أفضل منهم جميعاً.

(وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ، فَيُؤْتَى بِالْمَاءِ، فَيَشْرَبُهُ، يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

وينبغي أنْ يلاحظ ما يلي:-

1- الذين يجيزون التوسّل والتبرّك يعتقدون أنّ الفاعل هو الله سبحانه:-

{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [سورة الصافات: 96].

{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الرعد: 16].

ويعلمون أنّ نسبة الفعل إلى المخلوق مجاز أو اختصاص. فمن المجاز قول الله جلّ جلاله على لسان سيّدنا إبراهيم عليه السلام:-

{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} [سورة سيدنا إبراهيم عليه السلام: 36].

مع أنّ الأصنام لا تضرّ ولا تنفع، وقوله عزّ شأنه:-

{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [سورة السجدة: 11].

مع إنّ المُميت هو الله جلّت قدرته.

ومن الاختصاص أنْ يمنح الله تعالى عبدًا من عباده خواصّ هو يقدِّرها سبحانه فيمَنْ يشاء من عباده، قال عزّ من قائل مخاطبًا سيّدنا محمّد صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه السلام: 1].

وفي نفس السورة في حقّ سيّدنا موسى عليه السلام:-

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ —} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه السلام: 5].

فالفاعل في فعل -لتخرج- ضمير مستتر تقديره أنت عائد للحبيب محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وفي فعل (أخرج) ضمير مستتر تقديره (أنت) يعود على سيّدنا موسى عليه السلام، فالله عزّ وجلّ خصّ سيّدنا محمّدًا وسيّدنا موسى عليهما الصلاة والسلام بالإِخراج من الظلمات إلى النور، فالمؤمن الموحِّد هو الذي يعتقد بأنّ المؤثر والخالق هو الله سبحانه، مع عدم تجريد خلق الله جلّ في علاه ممّا قدَّر الله عزّ وجلّ فيهم من خواصّ وصفات.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنام، ومصباح الظلام، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الكرام.