29/8/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أنْ يديم هذا الموقع المبارك والقائمين عليه، وأنْ يرفع مقامكم سيّدي في الدنيا والآخرة.
سيّدي سؤال الخادم هو:-
إمام صلّى في الناس وأخطأ في الفاتحة بتغيّر حرف أو حركة، ما حكم الصلاة خلفه؟ وهل يجوز للمأموم أنْ يفتح عليه إذا لم يتوقف؟ وكذلك إذا حدث مثل هذا الخطأ في السورة التي بعد الفاتحة كيف التعامل الصحيح مع الإمام؟
أفتونا وجزاكم الله خيرا.
الاسم: أبو محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ جلاله أنْ يوفقك لخيرَي الدنيا والآخرة، إنّه سميع مجيب.
لا يصحّ الاقتداء بإمام يَلْحَنُ في الفاتحة لحنًا يُغيّر المعنى، ويُكره إذا لحن ولم يغيّر المعنى، وتصحّ الصلاة خلفه.
ويشرع للمأموم إذا أخطأ إمامُه أو نَسِيَ في القراءة على وجه يُخِلُّ بالمعنى فالواجب أنْ يردّ له سواء في الفاتحة أو غيرها، وإذا كان لا يخلّ بالمعنى فإنّ الأفضل أنْ يردّ له، ولا يَجِب.
إمامة المسلمين مِن وظائف حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، فعلى مَنْ يتصدّر لهذه المسؤولية أنْ يؤدي حقّها بما أمر الشرع الحنيف من خشوع وخضوع، وصيانة اللسان عن الخطأ في القرآن الكريم تلاوة وتجويدًا وحفظا.
قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
لذلك لا يصحّ الاقتداء بإمام يلحن في الفاتحة لحنا يغيّر المعنى، ويجب تنبيهه والفتح عليه، فإنْ أعاد القراءة مستقيمة فالحمد لله تعالى، وإلّا لم تجز الصلاة خلفه، وهو مذهب السادة الشافعية، والحنابلة، وقول للمالكية رحمهم الله جلّ في علاه. ينظر المجموع للإمام النووي (3/ 393)، والمغني للإمام ابن قدامة (2/146)، ومواهب الجليل للحطاب (2/100).
وذلك للآتي:-
1- لأنّه إذا لم يكن معذورا، فإنّ صلاته باطلة، فلا يصحّ الاقتداء به. المجموع (4/267).
2- لأنّهم لو قدّموا مَنْ لا يحسن الفاتحة، فقد دخلوا تحت النهي لمخالفتهم الأمر بتقديم الأقرأ. البيان للعمراني رحمه الله عزّ وجلّ (2/405).
واللحن الذي يحيل المعنى مثل أنْ يقرأ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بكسر التاء أو ضمّها، أو يقرأ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بكسر الكاف.
ويُكره الاقتداء بإمام يلحن في الفاتحة لحنًا لا يغيّر المعنى، وتصحّ الصلاة خلفه، وهو مذهب الجمهور من السادة الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول للمالكية، رحمهم الله تعالى، وحكي الإجماع على عدم فساد صلاته؛ وذلك لأنّه أتى بفرض القراءة. ينظر: الفتاوى الهندية (1/81)، المجموع (4/268)، كشاف القناع (1/481)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص48).
أمّا إذا لَحَن في قراءة السورة بعد الفاتحة لحْنًا يُغيّر المعنى من غير قصد فالصلاة صحيحة؛ لأنّ قراءة السورة غير الفاتحة ليست ركنًا من أركان الصلاة، وتبطل صلاة الإمام والمأموم إنْ كان متعمّدًا.
قال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه:-
(وَإِنْ كَانَ -اللحن- فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ كُلِّ أَحَدٍ خَلْفَهُ لِأَنَّ تَرْكَ السُّورَةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَلَا يُمْنَعُ الِاقْتِدَاءُ) المجموع للنووي (4/269).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ وعلا:-
(تُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّان، الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِمَنْ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ، فَإِنْ أَحَالَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، لَمْ يُمْنَعْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَلَا الِائْتِمَامِ بِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ، فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُمَا) المغني (2/146).
أمّا الفتح على الإمام فله حالتان:-
الأولى:-
يكونُ الفتح على الإمام واجبًا؛ لقوله عزّ شأنه:-
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [سورة المزمل: 4].
والثانية:-
يكون الفتح مستحبًّا.
فيجبُ الفتح إذا لحنَ الإمام لحنًا جليًّا في الفاتحة، وكذلك يجب إذا لحن لحنًا يحيلُ المعنى في غير الفاتحة.
ففي الفاتحة كأنْ يَنسى آية، أو كلمة، أو حرفًا، وجب حينئذ على مَن خلفه أنْ يفتحوا عليه، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ جلاله:-
(وَإِذَا ارْتَجَّ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْفَاتِحَةِ لَزِمَ مَنْ وَرَاءَهُ الْفَتْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُمْ تَنْبِيهُهُ بِالتَّسْبِيحِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ) المغني (2/43).
والفتح واجب؛ لأنّ قراءة الفاتحة ركنٌ مِنْ أركان الصلاة لا تَصِح الصلاة إلّا بها، وهو مذهب جمهور الفقهاء من السادة المالكية، والشافعية، والحنابلة، وداود الظاهري، رحمهم الله سبحانه، وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
واستدلوا على ذلك من السنّة المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وآله وصحبه أجمعين، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال:-
(مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَهِيَ خِدَاجٌ) يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ومعنى خداج: ناقصة. الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
أمّا في غير الفاتحة فإنْ كان يحيل المعنى وجب الردّ أيضًا، وإنْ لم يكن كذلك فالأمر فيه سعة، إنْ ردّوا فهو أفضل، وإنْ لم يردّوا فلا حرج عليهم.
أمّا الحالة الثانية، وهي ما يكون فيها الفتح على الإمام مستحبًّا، وذلك إذا لحنَ لحنًا لا يحيلُ المعنى.
ومشروعية الفتح على الإمام، حكاه الإمام ابن المنذر عن ساداتنا عثمان وعلي وابن عمر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وحكاه أيضًا عن جماعة من التابعين كعطاء والحسن ومحمد بن سيرين وهو قول الأئمة الأربعة رحمهم الله تبارك اسمه. ينظر: المجموع (4/240)، والمغني (2/42).
وممّا يدلّ على ذلك، ما ورد في الحديث عن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَّى صَلَاةً، فَقَرَأَ فِيهَا فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيٍّ: أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ؟) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ وعلا.
قوله: (فَمَا مَنَعَكَ؟) أي: أَنْ تَفْتَحَ عَلَيَّ.
وعن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه وعنكم قال:-
(كُنَّا نَفْتَحُ عَلَى الْأَئِمَّةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام الدار قطني رحمه الله تبارك وتعالى.
وعن سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعنكم قال:-
(إذَا اسْتَطْعَمَك الإِمَام فَأَطْعِمْهُ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ جلاله.
وأرى من الضرورة التنبيه إلى أنّ الردّ على الإمام ينبغي أنْ يكون بهدوءٍ، ويكون الرادّ واحدًا؛ لأنّه إذا تعدّد الذين يردون عليه اختلفت أصواتهم فلم يفهم الإمام ماذا عليه.
قال الإمام بدر الدين العيني رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَيَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يَعْجَلَ بِالفَتْحِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إِلَيْهِ، بَلْ يَرْكَعُ إِذَا جَاءَ أَوَانُهُ، أَوْ يَنْتَقِلُ إِلَى آيَةٍ أُخْرَى، وَتَفْسِيْرُ الإِلْجَاءِ: أَنْ يُرَدِّدَ الآيَةَ، أَوْ يَقِفَ سَاكِتًا) شرح أبي داود للعيني (4/129).
وينبغي أنْ لا يتقدّم للإمامة إلّا مَنْ كان أهلًا لها.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على خير مَنْ أرشد وعلّم، وجعلنا على السبيل الأقوم، نبيّنا وحبيبنا محمّد سيّد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.