23/10/2024

نص السؤال:

السلام عليكم سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.

 جعلكم الله سبحانه نبراساً وطبيباً لمحبيكم والمسلمين يقول الله تعالى

(لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة) هل يعني هذا أنّ جهنم ليست في السماء؟ لانّ الكافرين أعاذنا الله وإياكم لا تفتح لهم أبواب السماء ما هو تفسير هذه الآيات المباركة؟ حفظكم المولى جلّ وعلا وحَفَّكم بواسع لطفه وكرمه وعنايته.

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وَعَلَيْكُمُ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

أشكركَ على تواصلكَم ودعواتكَم الطّيّبة لأفقر الورى، وأسال الله عزّ وجل أنْ يرزقنا وإياكم الجنة ويُعيذنا من النار إنّه سبحانه العزيز الغفار.

 

الجواب باختصار:-

علمها عند الله تقدّست أسماؤه.

 

التفصيل:-

بداية نقرأ الآية المباركة كاملة ثم نَشرع في تفسيرها لأنَّ الإتيان بها مجتزأةً تُذهب كثيراً مِن معانيها.

يقول الله عزّ وجل:-

{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [سورة الأعراف: 40].

يقول الإمام الطبري رحمه الله العلي جلّ جلاله في تفسير هذه الآية: –

(إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها، ولم يتبعوا رسلنا

1ـ (واستكبروا عنها)، يقول: وتكبروا عن التصديق بها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبرًا

2ـ “لا تفتح لهم”، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم =”أبواب السماء”، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل، لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يُرْفع الكلم الطيبُ والعملُ الصالح، كما قال جل ثناؤه: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [سورة فاطر: 10]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (12/421).

إذن لفظ {أبواب السماء} هنا ليس كما يتوهم أحدنا هذه السماء وإنّما هو اسم جامع لمعانٍ عديدة وعظيمة، و إليها أشار الإمام ابن عاشور رحمه الرحمن في تفسيره فقال:-

(وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ أَسْبَابُ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأَبْوَابِ لِتَقْرِيبِ حَقَائِقِهَا إِلَى الْأَذْهَانِ فَمِنْهَا قَبُولُ الْأَعْمَالِ، وَمَسَالِكُ وُصُولِ الْأُمُورِ الْخَيْرِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَطُرُقِ قَبُولِهَا، وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِأَسْبَابِ التَّزْكِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] ، وَمَا يَعْلَمُ حَقَائِقَهَا بِالتَّفْصِيلِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهَا مَحْجُوبَةٌ عَنَّا، فَكَمَا أَنَّ الْعُفَاةَ وَالشُّفَعَاءَ إِذَا وَرَدُوا الْمَكَانَ قَدْ يُقْبَلُونَ وَيُرْضَى عَنْهُمْ فَتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْقُصُورِ وَالْقِبَابِ وَيَدْخُلُونَ مُكَرَّمِينَ، وَقَدْ يُرَدُّونَ وَيُسْخَطُونَ فَتُوصَدُ فِي وُجُوهِهِمُ الْأَبْوَابُ، مَثَّلَ إِقْصَاءَ الْمُكَذِّبِينَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَعَدَمَ الرِّضَا عَنْهُمْ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، بِحَالِ مَنْ لَا تُفَتَّحُ لَهُ أَبْوَابُ الْمَنَازِلِ، وَأُضِيفَتِ الْأَبْوَابُ إِلَى السَّمَاءِ لِيَظْهَرَ أَنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ لِحِرْمَانِهِمْ مِنْ وَسَائِلِ الْخَيْرَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ عَدَمَ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَعَدَمَ قَبُولِ الْأَعْمَالِ وَالْعِبَادَاتِ، وَحِرْمَانَ أَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ مُشَاهَدَةَ مَنَاظِرِ الْجَنَّةِ وَمَقَاعِدِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا، فَقَوله: لَا نفتح لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِمَعْنَى الْحِرْمَانِ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَحْضَةِ،… وَقَوْلُهُ: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ وَتَحْقِيقٌ لِخُلُودِهِمْ فِي النَّارِ.

وَبَعْدَ أَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ بِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ كُلِّهِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، زِيدَ تَأْكِيدًا بِطَرِيقِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ، الْمُشْتَهَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيَانِ بِتَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فَقَدْ جَعَلَ لِانْتِفَاءِ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ امْتِدَادًا مُسْتَمِرًّا، إِذْ جَعَلَ غَايَتَهُ شَيْئًا مُسْتَحِيلًا، وَهُوَ أَنْ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، أَيْ لَوْ كَانَتْ لِانْتِفَاءِ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ غَايَةٌ لَكَانَتْ غَايَتُهُ وُلُوجَ الْجَمَلِ- وَهُوَ الْبَعِيرُ- فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَكُونُ أَبَدًا..

وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ تَفَتُّحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَيْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الِانْتِفَاءِ، أَيِ الْحِرْمَانِ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لِأَنَّهُمْ بِإِجْرَامِهِمُ، الَّذِي هُوَ التَّكْذِيبُ وَالْإِعْرَاضُ، جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَسَائِلِ الْخَيْرِ وَالنَّجَاةِ، فَلَمْ يَتَوَخَّوْهَا وَلَا تَطَلَّبُوهَا، فَلِذَلِكَ جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ اسْتِكْبَارِهِمْ أَنْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَسَدَّ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الْخَيْرَاتِ) ينظرالتحرير والتنوير (8/126ـ128).

 

وأمّا بالنّسبة لسؤالكم عَن مكان جهنم فهي ليست في السماء كما بيّنت الآية المباركة، والله جلّت صفاته أعلم بمكان وجودها لكن ورد أثر عن سيّدنا علي رضي الله تعالى عنه وعنكم بهذا الخصوص ما نصه:-

(وقد سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلاً من اليهود فقال له: أين جهنم؟ فقال: البحر، (فقال): ما أراه إلا [صادقاً]، وقرأ: {والبحر المسجور} [طه: 6]، {وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ}. وقال ابن زيد: {سُجِّرَتْ}: أُوقِدَتْ فصارت نيرانا) الهداية الى بلوغ النهاية (12/8077).

وأرى عدم الخوض في هذه الأمور الغيبية، وإنّما نسلّم ونؤمن إيماناً مطلقاً بوجودها دون شكٍّ أو تردّد.

والله تقدّست أسماؤه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وصحبه أجمعين.