26/10/2024
نص السؤال:
السلام عليكم
حفظكم الله ورعاكم سيدي وأدامكم ذخرا للإسلام والمسلمين؛ كَثُرَ إطلاق لقب (العارف بالله) في مواقع التواصل الاجتماعي فهل هناك ضابطٌ شرعيٌ وروحيٌ لهذا اللقب، فأنتم أهلُ هذا الفن نسأل الله تعالى أنْ يفتح عليكم أبواب القرب والرّضا ونحن بمعيتكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرًا جزيلًا على تَعلُّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتكَ الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنكَ كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
استعمل السّلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم مصطلح: “العارف بالله”، و يطلق على العالم به سبحانه، المُحبِّ له، العامل بشريعته.
وهذا ضابطه الشرعي المعروف عند أهل هذا العلم الشريف الذين تتلاقى ذبذباتهم الروحية فيعرف بعضهم بعضاً، علماً بأن دائرة معرفة الله جلّ ذكره مطلقة لا حدّ لها.
أمّا التوسع في استعمال هذا المصطلح مِن غير أهله فهو مدعاة للإدعاء والانتحال والغرور المفضي لتضليل الناس، وقطع الطريق عَن طالبي التزكية النبوية الشريفة، وهذا مذمومٌ في حق العامة، محرم على مَن ادعاه أو رضي به وهو ليس مِن أهله.
قال الله عزّ وجل:-
{الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [سُورَةُ الفُرۡقَانِ: 59].
الخبراء بالله تقدّست أسماؤه هم العارفون به سبحانه، رضي الله تعالى عنهم وعنكم ونفعنا بعلومهم الشريفة في الدنيا والبرزخ والآخرة.
ولقد وصف القرآن الكريم ذواتاً شريفة بألقاب كريمة للدلالة على مقاماتهم ليتعرف عليهم الناس فيقتدوا بهم، ويأخذوا عنهم دينهم؛ قال جلّ جلاله:-
{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 69].
ولا مانع مِن استخدام هذه الألقاب والأوصاف المباركة في معانيها الصحيحة على مَن يستحقون أنْ يوصفوا بها لصلاح دينهم وحصول معرفتهم بالله جل وعلا وشرعه الشريف؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(لِلْمُؤْمِنِينَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ الْمُحِبِّينَ لَهُ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ؛ وَمَنَازِلِ الْيَقِينِ مَا لَا تَكَادُ تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَلَا يَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ إلَّا مَنْ أَدْرَكَهُ وَنَالَهُ) مجموع الفتاوى للشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية جلّ في علاه (74/11).
فعَنِ الصحابي الجليل الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله سبحانه عنه وعنكم أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ:-
(«كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟» قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا. فَقَالَ: «انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟» فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَاطْمَأَتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا. فَقَالَ: «يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ» ثَلَاثًا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.
(يَتَضَاغَونَ) يصيحون من شدة الألم.
فَمِنْ هنا جاءت حقيقة هذه التسمية ( العارف بالله) وقد وردت هذه العبارات في مؤلفات كثير مِن أهل العلم رحمهم الله جلّ ذكره.
قال الإمام الغزالي رحمه الله جلّ جلاله:-
(قلب العارف بالله تعالى الموقن خير من ألف قلب من العوام وقد قال تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ }، تفضيلاً للمؤمنين على المسلمين، والمراد به المؤمن العارف دون المقلد) إحياء علوم الدين (3/23).
وقالوا ايضاً:-
(وَالْعَبْدُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَتَّحِدُ إرَادَتُهُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ بِحَيْثُ لَا يُرِيدُ إلَّا مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ أَمْرًا بِهِ وَرِضًا وَلَا يُحِبُّ إلَّا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَلَا يُبْغِضُ إلَّا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى عَذْلِ الْعَاذِلِينَ وَلَوْمِ اللَّائِمِينَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} . وَالْكَلَامُ فِي مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ طَوِيلٌ) مجموع الفتاوى للشيخ ابن تيمية رحمه الله جلّ وعلا (11/77).
وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تبارك اسمه:-
(ذَنْبَ الْعَارِفِ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِهِ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَسَنَاتٌ أَكْبَرُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ، وَأَعْظَمُ نَفْعًا، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ مَنْ ذُلٍّ وَانْكِسَارٍ وَخَشْيَةٍ، وَإِنَابَةٍ وَنَدَمٍ، وَتَدَارُكٍ بِمُرَاغَمَةِ الْعَدُوِّ بِحَسَنَةٍ أَوْ حَسَنَاتٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقُولَ الشَّيْطَانُ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوقِعْهُ فِيمَا أَوْقَعْتُهُ فِيهِ) مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين (311/1).
وهذه المعاني الشريفة والمقامات المُنيفة بمثابة ضوابط شرعية وهَالات روحية يتميّز بها العارفون رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ويتعارفون بها فيما بينهم.
وعلى وفق ما تقدّم فهذه الألقاب لا حرج فيها بل لابدّ منها ليعرف العامة قدر أصحابها فيتمسكوا بهديهم ويتّبعوا أثرهم في السلوك والدين.
أمّا التوسع في استخدام هذه الألفاظ والألقاب والمصطلحات، واستغلالها مِن قِبَل أهل الانتحال لأغراض دنيوية يبتغون بها الجاه والشرف، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم مِن عبارات أهل العلم والتزكية لترويج ما هم عليه من زور وباطل فهذا من أشدّ الحرام، لأنّها إدعاء بمنزل ومقام روحي له سنده العزيز للنّبيّ الكريم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وهم بذلك يقتربون مِن ساحة مدّعي النبوة كمُسَيْلَمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهم، وهؤلاء حبل كذبهم في الدنيا قصير، ووقوفهم للحساب بين يدي الله الجليل طويل وعسير نعوذ بالله عزّ وجل.
ولمزيد اطلاع على صفات العارفين بالله جل في علاه أرجو قراءة كتاب مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين للشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى، و كتاب معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لحضرة شيخي الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيب الله سبحانه روحه وذكره وثراه، للإطلاع على خطر مدّعي الولاية والمعرفة والإرشاد، وذلك تحت عنوان “نحلة الدجل والاستغلال” ص (161).
والله جلّ ثناؤه أعلم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد سيدِ أهلِ السّيادة، وعلى آله وصحبِه القادَة.