3/11/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تعالى أن يديمكم ويحفظكم وأن يرفع مقامكم سيدي في الدنيا والآخرة.
سؤالي هو:- كيف يميِّز الأنسان مصيبتهُ إذا كانت عقابا أم بلاءً وجزاكم الله تعالى خير الجزاء.
الاسم: طاهر عمر عبد الرحمن
وَعَلَيْكُمُ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يتقبل دعواتكم الكريمة ويجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
المصائبُ التي تُصيْبُ المُؤمن أقدارٌ مِن الله تعالى فكلّها خيرٌ له سواءٌ كانت بلاءً أو عقابا.
فالعبد الذي ابتُلي إنْ استقام وصبر على البلاء فقد انتفع وفاز؛ وإنْ تمادى وازداد بُعدًا عن الحقّ سبحانه فقد عُوقِب غالباً.
قال الله تعالى:-
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [سورة التوبة: 51].
فالإنسان في الحياة الدنيا معرضٌ للمصائب كلّها التي هي مِن أقدار أرحم الرحمين عزّ وجلَّ،
قال جلّ ثناؤه:-
{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [سورة الحديد:22].
وقال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام:-
(عَجَبًا لأمْرِ الـمُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ، ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيرًا لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه وتعالى.
فكلُّ أقدار الحق تبارك وتعالى للمؤمن فهي من الخير وسبب لرجوعه عما لا يحب مولاه تعالى وللثبات على ما يرضاه.
وقد قسّم أهل العلم هذه الأقدار إلى أقسام، ومنها: العقاب والبلاء.
ولكلِّ وأحدٍ مِن هذين القسمين سماتٌ يمتاز بها عَن نظيره
فمِن أهم سِمات العقاب نسأل الله سبحانه العفو والعافية أنّه يأتي نتيجة للذنوب والمعاصي التي يرتكبها الإنسان، فالله تعالى يعاقب عباده؛ لتذكيرهِم بخطاياهُم ولدفعِهِم للتوبة النَّصوح، وهو سببٌ لتطهير الإنسان من الذنوب.
قال تعالى:-
{مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [سورة النساء: 123].
والأصل في العقاب أنّه أُخرويٌ، لأنّ الدنيا ليس دار جزاءٍ وقد تحصل العقوبة في الدنيا لحكمة أرادها الله عزّ وجل أو لأمرٍ خفي على العباد.
وأمّا البلاء فإنّه يكون اختبارًا مِن الله جلّ في علاه لرفع الدرجات وزيادة الحسنات، ويكون بالخير كما بالشّر.
قال الله جلّت صفاته:-
{وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 35].
وقد يكون لِكُمَّلِ الـمؤمنين كما وقع لسيّدنا إبراهيم حين أُمِرَ بذبحِ ابنه إسماعيل عليهما السلام قال جلّت ذاته العلية:-
{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ*وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [سورة الصافات: 103 – 107].
وعن سيدنا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله تعالى عنه وعنكم، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ:-
(الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
وقد يكون البلاء بالخير والسعة كما أخبر الحق تبارك وتعالى عن سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام بعد أنْ منحه المُلك وسخّر له الخلق :-
{قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [سورة النمل: 40].
وقد يكون البلاء للفاسق امتحانا واختبارا مِن الله عزّ وجلّ كما في قوله سبحانه:- {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [سورة الأعراف: 163].
والدنيا دارُ بلاءٍ والآخرة دارُ جزاءٍ قال سيدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعنكم:-
(أَخْبَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ وَبَشَّرَهُمْ، فَقَالَ: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [سورة البقرة: 155]) شعب الإيمان للإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا (12/ 177).
وقال سيدنا الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما وعنكم:- (فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَبَلْوَى، خَيْرُهَا قَلِيلٌ، وَشَرُّهَا كَثِيرٌ، وَجَمْعُهَا يَبِيدُ، وَالْبَلَاءُ فِيهَا شَدِيدٌ، وَفَائِتُهَا حَسْرَةٌ، وَتَأْوِيلُهَا فِتْنَةٌ، إِلَّا مَنْ نَالَتْهُ مِنَ اللَّهِ عِصْمَةٌ، الْوَاثِقُ بِهَا مَغْرُورٌ، وَالسَّاكِنُ إِلَيْهَا مَخْذُولٌ، مَنْ أَعَزَّهَا ذَلَّ، وَمَنْ كَثَّرَهَا قَلَّ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ مِنْهَا، وَالنَّجَاةَ مِنْ شَرِّهَا) أخرجه الشكري في ترتيب الأمالي الخميسية (2/ 231).
ومجمل الفرق بين العقاب والبلاء:
1ـ إنْ رجع العبد لمولاه جلّ في علاه وازداد استقامة وصبرا عُلِمَ أنّه ابتُلي وانتفع من هذا الاختبار.
2ـ وإنْ تمادى في غَيهِ بعد نزول المصيبة عياذا بالله جلّت ذاته العلية وازداد اعراضا عَن الاستقامة والطاعة، فغالبا ما تكون المُصيبة عقوبة له.
وختاماً:
مَن أصابته مصيبة بعد ارتكاب ذنبٍ، فهي عقوبة غالباً.
ومن أصابته مصيبة وهو طائع لله تعالى، فهي ابتلاء غالبا؛ لرفع درجاته.
و في كلتا الحالتين، يجب على المؤمن أنْ يصبر ويحتسب الأجر عند الله سبحانه، سواء كان ما يصيبه عقابًا أو بلاءً.
والله جلّت صفاته أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم