2/12/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سؤالي هو:- ما البِدْعَةُ ومَا الضّلالة؟
وهل تُوجد شروط في البدعة؟ إنّ خالفتها أُبدّع؟!
وجزاكم الله تعالى خيرا.
الاسم: حسين علي
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
نوّر الله عزّ وجلّ قلوبنا جميعا بفهم العلماء العاملين رضي الله سبحانه عنهم وعنكم.
هناك عمومٌ وخصوصٌ بين كلمتي البدعة والضلالة، فليس كلّ بدعة ضلالة، والكلمتان مختلفتان في المعنى بالأصل اللغوي، ولكنّ البدعة المذمومة المنكرة تُفْضِي إلى الضّلالَةِ بِشُرُوْطٍ خَاصَّةٍ، وسيتم بيان ذلك في تفصيل الجواب بإذن الله جلّ جلاله وعمّ نواله.
قال الحقّ عزّ شأنه في محكم كتابه العزيز:-
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سُورَةُ الحَدِيدِ: 27].
ينبغي التفصيل في الجواب لأهمّية الموضوع وأثره في واقع الأمّة؛ فقد أدّى الجهل به إلى انسياق الشباب المسلم إلى مهاوي التكفير والفُرقة والإرهاب نعوذ بالله تعالى.
البدعة لغة:-
(بدَع الشَّيْءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه) لسان العرب (6 – 8).
والبدعة اصطلاحًا:-
(هِي الفِعْلَةُ المُخَالِفَةُ لِلسُّنَّةِ؛ سُمِّيَت: البِدْعَة، لِأَنَّ قَائِلَهَا ابْتَدَعَهَا مِنْ غَيْرِ مَقَالِ إِمَامٍ. أَوْ هِيَ: الأَمْرُ المُحْدَثُ الّذِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُوْنَ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا اقْتَضَاهُ الدَّلِيْلُ الشَّرْعِيُّ) التعريفات للشريف الجرجاني رحمه الله تبارك اسمه، ص (43).
وعرّفها الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بقوله:ـ
(الْبِدْعَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ؛ لَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا اسْتِدْلَالٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَا فِي التَّفْصِيلِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِدْعَةً؛ لِأَنَّهَا شَيْءٌ مُخْتَرَعٌ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ) الاعتصام للشاطبي رحمه الله جلّ جلاله (1/367).
أمّا معنی الضَّلالة لغة:ـ
(الضّلالُ، والضَّلاَلةُ: ضدُّ الهُدَى و الرشاد. وقد ضَلَلْتُ أَضِلُّ. قال: والضَّلال والضَّلالَة مَصْدران، ورجلٌ مُضَلَّل لا يُوفّق لخيرٍ، صاحبُ غَوايات وبَطالات) ينظر لسان العرب (11/390)، وتهذيب اللغة (11/321).
الضلالة اصطلاحًا:ـ
(هِيَ فُقْدَانُ مَا يُوْصِلُ إِلَى المَطْلُوْبِ، وَقِيْلَ: هِيَ سُلُوْكٌ لَا يُوْصِلُ إِلَى المَطْلُوْبِ) التعريفات للجرجاني رحمه الله تعالى، ص (138).
وقال علماء التفسير رضي الله تعالى عنهم وعنكم في تفسير معنى قوله جلّ ثناؤه {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}:-
* (أَي: ابْتَدَعَتْهَا أُمَّةُ النَّصَارَى {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أَيْ: مَا شَرَعْنَاهَا لَهُمْ، وَإِنَّمَا هُم التَزَمُوْهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ) تفسير الإمام ابن كثير رحمه الخبير سبحانه (29/8).
* (هُم الّذِيْنَ بَدَّلُوْا وَخَالَفُوْا دِيْنَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ) ينظر: تفسير الطبري رحمه الله جل في علاه (202/23).
* (الرَّهْبَانِيَّةُ: العِبَادَةُ، فَهُم ابْتَدَعُوْا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ عِبَادَةً، وَوَظَّفُوْهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالتَزَمُوْا لَوَازِمَ مَا كَتَبَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَا فَرَضَهَا، بَلْ هُم الّذِيْنَ التَزَمُوْا بِهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ رِضَا اللهِ تَعَالَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، أَيْ: مَا قَامُوْا بِهَا وَلَا أَدَّوا حُقُوْقَهَا، فَقَصَّرُوْا مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ ابْتَدَاعِهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ عَدَمِ قِيَامِهِمْ بِمَا فَرَضُوْهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) تفسير السعدي رحمه الله الولي (842/1).
وعليه فإنّ مفهوم البدعة في الآية الشريفة تخصّ أولئك الذين خالفوا وبدّلوا وغيّروا الأصول في دين الله تعالى بما يؤدي للضلالة والانحراف عن المنهج الرباني القويم عياذًا بالله تعالى.
أمّا البدعة بالمفهوم العام فهي كلّ شيء جديد لم يُسبق إليه، ولكنْ هذا في الدين ليس على إطلاقه وإلّا امتنع الاجتهاد ولم يكنْ للمصالح المرسلة وجودٌ، وهي مصدر مِن مصادر التشريع الإسلامي.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله سبحانه:ـ
(إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ قَسَّمُوا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهَا بِإِطْلَاقٍ هُوَ الْمُحَرَّمُ ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ؛ فَلَيْسَ الذَّمُّ فِيهِ بِإِطْلَاقٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ؛ فَغَيْرُ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَالْوَاجِبُ مِنْهَا وَالْمَنْدُوبُ حَسَنٌ بِإِطْلَاقٍ، وَمَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ وَمُسْتَنْبِطُهُ، وَالْمُبَاحُ حَسَنٌ بِاعْتِبَارٍ؛ فَعَلَى الْجُمْلَةِ مَنِ اسْتَحْسَنَ مِنَ الْبِدَعِ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْأَوَّلُونَ لَا يَقُولُ: إِنَّهَا مَذْمُومَةٌ وَلَا مُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ أَيَّ مُوَافَقَةٍ؛ كَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَالتَّجْمِيعِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ الَّتِي اتفق الناس على حُسْنِهَا) الموافقات (3/ 38).
جاء لفظ البدعة في قول حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ
(— فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) الإمام ابن داود رحمه الله تعالى المعبود.
قال الإمام النووي رحمه العليّ جلّ جلاله:-
(قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالْمُرَادُ غَالِبُ الْبِدَعِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ) شرح الإمام النووي على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله تقدّست أسماؤه (154/6).
وبالمفهوم الشرعي للسادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم نعرف بأنّه ليست كلّ مُحدثة هي بدعة مُنكرة مُحرّمة تُؤدي إلى ضلالة، فكلّ بدعة ضلالة عمومٌ أُريد به الخصوص، أي ما كان منكرًا منها، مخالفًا لهدي الكتاب والسُنّة، أمّا أنْ نأخذ مفهوم النصّ الشريف بعمومه فهذا مع الأسف فكرُ نِحْلَةِ الشقاق والتكفير التي ابتليت به الأمّة؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:ـ
(وَإِذَا كَانَتْ كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةً ـ كَمَا يَقُوْلُوْنَ ـ فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ تَكُوْنُ حَالُ فِرْقَتِهِمْ وَنِحْلَتِهَا فَإِنَّهَا أُحْدِثَتْ عِنْدَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الهِجْرِيّ الثَّانِي عَشَرَ وَمَا وُجِدَتْ قَطّ قَبْلَهُ، أَفَلَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَكُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ؟) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي للشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي رحمه الله جلّ وعلا ص (147).
وقالوا أيضًا:ـ
(إِنَّ المُحْدَثَاتِ الّتِي تُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا فَهَذِهِ البِدْعَةُ الضَّلَالَةُ) ينظر المسودة في أصول الفقه: أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى ص (337).
أي ما كانت مخالفة للشريعة الغرّاء، وليس لها أصل يُعتمد على وفق الأصول والقواعد التي حدّدها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، الذين قسّموا البدعة إلى مذمومة ومحمودة، وهو تقسيم أجمع عليه الجمهور، بل تنطبق على البدعة أحكام الشريعة كلّها، فمنها ما يكون:-
1- واجبًا: مثل جمع القرآن الكريم.
2- مندوبًا: مثل صلاة التراويح في جماعة.
3- مباحًا: مثل استحداث أصناف العلوم المختلفة كالفقه والنحو.
4- مكروهًا: مثل قراءة الإمام في الصلاة من المصحف.
5- حرامًا: مثل تقديم الجهَّال على العلماء.
فكيف تكون البدعة ضلالة إذا استحسنها المسلمون، وكانت ضمن نطاق المصلحة المرسلة، وكانت تُحقّق أو تَصبُّ في تنمية مقصد مِن مقاصد الشريعة الغراء؟!
قال الإمام مالك رحمه الله جلّ ذكره:ـ
(أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ، إِنِّي لأَظُنُّنِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ فِيهَا.
يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، لا بَأْسَ بِالصَّلاةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ تَطَوُّعًا بِإِمَامٍ، لأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ وَرَأَوْهُ حَسَنًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ) موطأ الإمام مالك رحمه الله جل في علاه، (ص 91).
وعليه فالبدعة إن لم يكن لها أصل يبدّع صاحبها، وإلا فلا. والبدع على العموم مذمومة لاتقبل، ولا تكون صغيرة إلا بشروط ذكرها أهل العلم ومنها:
(1- أَنْ لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً.
2- أَنْ لَا يَدْعُوَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بِالْإِضَافَةِ، ثُمَّ يَدْعُو مُبْتَدِعُهَا إِلَى الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَاهَا فَيَكُونُ إِثْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِ.
3- أَنْ لَا تَفْعَلَ الْبِدْعَةَ فِي مُجْتَمَعَاتِ النَّاسِ أَوْ فِي مَوَاضِعِ إِقَامَةِ السُّنَنِ وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ، فَأَمَّا إِظْهَارُهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ بِمَنْ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ فَذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لأنّه إمّا أنْ يُقتدي العَوَام بصاحبها فيها، وَإِذَا اقْتُدِيَ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ الصَّغِيرَةِ كَبُرَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، أو أن يتوهم الناس أن ما أظهره هو من شعائر الإسلام فكأنه بإظهاره لها يقول: هذه سُنة فاتبعوها.
4- أَنْ لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ). الاعتصام (2/551 – 559) بتصرف يسير.
وإنّ مِن البدع المذمومة المُحدثة تقسيم مفهوم التوحيد إلى أقسام ثلاث، ومحاسبة الناس على ذلك، وتصنيفهم إلى موحِّد ومشرك وما يتبع ذلك من أهوال شنيعة في الظنّ، والتعامل يصل إلى حدّ ازهاق النفس المعصومة كما حصل في بلدنا وبلدان أخرى، فالفهم الخاطئ لهذه الأمور أنتجت هذه الفوضى في الأخلاق والتصرّفات هدّدت السِلم الأهلي والمجتمعي.
إنّ ضرر هذا الفكر الناتج عِن الجهل بالأصول والقواعد العلمية الصحيحة في علوم اللغة والشريعة كبير جدا، وإنّ رفع اللبس الحاصل في هذه المفردات ذات أهمية بمكان إذ بها ندع هذا الشر ونرفع هذا الضرر الذي أصاب فكر الشباب وجعله أداة طيعة في يد الإرهاب، يقول صاحب كتاب “فتح المجيد” في صراحة ووضوح تامَّين:ـ
(إِنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ اليَوْمَ لَا يَعْرِفُوْنَ مِنَ التَوْحِيْدِ إِلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ المُشْرِكُوْنَ، وَمَا عَرَفُوْا مَعْنَى الإِلَهِيَّةِ الّتِي نَفَتْهَا كَلِمَةُ الإِخْلَاصِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن ابن حسن آل الشيخ غفر الله تعالى له، ص81.
وفي نصّ الكلام دلالات واضحة على اتهام علماء الأمّة بالشرك، ومحاولة قطع الصلة بينهم وبين أبنائها ليكون فكرهم هو السائد بين الناس بما فيه من ضلالات التكفير، وسوء الظنّ، ومعاداة الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
وللإفادة أكثر أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (490)، والمشاركة المرقمة (23) في هذا الموقع الميمون.
والله عزّ وجلّ أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وصحبه أجمعين.