5/12/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 سيدي حفظكم الله تعالى وبارك فيكم أنت وعائلتك ومن تحب جزاك الله تعالى خير الجزاء أنت والقائمين على هذا الموقع المبارك.

سؤالي هو:-

اشترى رجل قطعة أرض زراعية غير مسجلة بدون أوراق بمبلغ من المال، وقد استدان نصف المبلغ من عمه، وقال له عمه لا تفكر بالتسديد على راحتك أبداً لا تهتم، وتم تسديد المبلغ بعد فترة وجيزة وبعد ثلاث سنوات عرض العم قطعة الأرض للبيع وباعها بثلاث أضعافها دون أن يعلم المشتري الأصلي، وتصرف بمالها كله حتى أنه لم يرجع مبلغ الشراء الأول لصاحبه.

هل العم يستحق هذا المبلغ شرعاً وهو غير مالك؟

 

الاسم: معاذ العبيدي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر تواصلكَ مع هذا الموقع الميمون، ودعواتِكَ الطّيّبة، وأسأل الله جلّ وعلا لكَ بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

لا يستحق العم هذا المال شرعا، لأنه باع ما ليس ملكاً له.

التفصيل:-

قبل الجواب على سؤالك، يجب التنبيه إلى مسألة مهمة دعت إليها الشريعة الغراء، وغفل عنها كثير من الناس، ألا وهي مسألة توثيق العقود، الذي يكون واجبا في كثير مِن التبادلات التجارية كالبيع والشراء، والقروض وذلك لضمان الحقوق، وقطع التنازع والتقاطع، ومنع أكل أموال الناس بالباطل.

قال الله جلّ ذكره:-

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [سورة البقرة : 286].

وهذا جزءٌ من أطول أيةٍ في القرآن الكريم، تتعلق بأحكام كثيرةٍ في هذا المجال المسؤول عنه وهو دليلٌ على عناية الشريعة الغراء بصفاء الأجواء الأخوية في حياة أمّة سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم خير البرية.

وسيرة سيّدنا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فيها ما يشير إلى ضرورة توثيق العقود.

أورد الإمام القاسم بن سلام الهروي البغدادي رحمه الله سبحانه:-

(وَالْمَأْثُورُ عَنْ سِرَاجٍ أَنَّ مُجَّاعَةَ الْيَمَامَةِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْطَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا كِتَابًا: ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُجَّاعَةَ بْنِ مُرَارَةَ بْنِ سُلْمَى: إِنِّي أَقْطَعْتُكَ الْغَوْرَةَ، وَغَرَابَةَ، وَالْحَبْلَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فَإِلَيَّ) الأموال للقاسم بن سلام (1/356).

وكذا أورد  الإمام ابن عساكر رحمه الله تعالى ما نصه:-

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أنطى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتميم الداري وأصحابه إني أنطيتكم عين حبرون والرطوم وبيت إبراهيم بِدَمِنِهِم وجميع ما فيهم نطيّةً بتّةً ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد فمن آذاهم فيها آذاه الله شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان) تاريخ دمشق:(11/66).

عين حبرون والرطوم وبيت إبراهيم: أسماء مدن في فلسطين.

معنى بدمنهم: بقاياهم وآثارهم.

فهذه النصوص وغيرها، تؤكد على أهمية توثيق العقود.

أمّا عَنْ سؤالك، فالعمّ لا يستحق المبلغ الذي ذكرتَ، لأنّ الشرع الحنيف نهى أنْ يبيع الإنسان ما لا يملك، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.

قال الشيخ محمد أشرف العظيم آبادي رحمه الله جلّ جلاله:-

((وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ) قَالَ الْبَغَوِيُّ هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلِفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً فَهَذَا بَيْعٌ وَاحِدٌ تَضَمَّنَ شَرْطَيْنِ يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ فِيهِ بِاخْتِلَافِهِمَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ وَشُرُوطٍ وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَرْوِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي حَنِيفَةَ

وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ بعتك ثوبي بكذا وعلى قصارته وخياطته فهذا فَاسِدٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ

وَقَالَ أَحْمَدُ إِنَّهُ صَحِيحٌ

وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ إِنْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ شَرْطًا وَاحِدًا صَحَّ وَإِنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ فَيَصِحُّ مَثَلًا أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ ثَوْبِي عَلَى أَنْ أَخِيطَهُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ أُقَصِّرَهُ وَأَخِيطَهُ

وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالشَّرْطَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ مَا فِيهِ شَرْطَانِ

كَذَا فِي النَّيْلِ (وَلَا رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ رِبْحَ سِلْعَةٍ لَمْ يضمنها)) عون المعبود شرح سنن أبي داود رحمه الله جلّ ذكره (9/292).

قال الإمام ابن بطال رحمه الكبير المتعال:-

(لا يجوز بيع ما ليس عندك ولا فى ملكك وضمانك مِن الأعيان المكيلة والمَوزونة والعروض كلها، لنَهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك) شرح صحيح البخاري:(6/260).

قال الإمام الكاساني رحمه الباري تعالى وهو يذكر شروط البيع الصحيح:-

(أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَنْعَقِدْ) بدائع الصنائع:(5/146ـ147).

وقال الإمام البغدادي المالكي رحمه الله سبحانه:-

(وإذا بَاعَ مُلْكَ غَيْرِهِ أَو اشْتَرَى لَهُ لَمْ يَبْطُل وَوُقِف على إذنه) التلقين في الفقه المالكي:(2/153).

قال الإمام الماوردي الشافعي رحمه الله جلّ وعلا:-

(وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ قَالَ: ” إِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ “. فَكَانَ هَذَا النَّهْيُ عَامًّا فِي كُلِّ مَبِيعٍ) الحاوي الكبير: (5/221).

قال الإمام أبو محمد بهاء الدين المقدسي رحمه الله العليّ جلّ جلاله:-

(ويشترط لصحة البيع أنْ يكون المَبِيْعُ مملوكًا لبائعه أو مأذونًا له فيه، فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح لقول النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك») العدة شرح العمدة:(1/239).

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلى الله العظيم على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.