19/12/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شيخي الفاضل أدامكم الله بصحة وسلامة ونفع بعلمكم العباد والبلاد.

سؤالي هو:- هل يوجد سرٌّ في الدين ؟؟ لو تكرمتم بالجواب مع جزيل الشكر والتقدير.

 

الاسم: أسامة ياسين

 

 

الرد:-

وَعَلَيْكُمُ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

شكراً لكَ على دعواتِكَ الطيّبة، وزيارتِكَ لهذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يحفظكم ويرعاكم وجميع المسلمين إنّه سميعٌ قريبٌ مجيب.

 

الجواب باختصار:-

اتفق المسلمون على أنّهُ لا توجد في الشريعة أسرار تخالف ظواهر الدين، ولا باطن يخالف الظاهر، ولكن هناك أشياء لم يؤمر صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بتبليغها، قد اختصّ بها بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

 

التفصيل:-

لقد جاءنا مِن ربنا الأعلى جلّ جلاله وعمّ نواله نورٌ وكتاب مبين، والنور هو سيّدنا محمّد صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين، أتمّ الله عليه النعمة وأكمل له الدّين، فخاطب به النّاس كفاحًا، ودعاهم جهارًا صراحًا.

قال تعالى:-

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: 3].

وقال عزّ وجل:-

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [سورة المائدة: 67].

 

فهل توجد أشياء لم يبلغها النّبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم؟

للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من التفصيل فالأشياء تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أشياء يحتاجها الناس، وقد أمر الله تعالى ببيانها وتبليغها، وقد بلغها صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كما أراد الله جلّ وعلا.

فالمفهومُ مِن نصوصِ الشرع ومِن محكمات الدِّين أنَّ النبيَّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بلَّغ كلَّ ما أُنزل إليه من ربه، ولا يسعُه غيرُ ذلك، وهذا عامّ في فضائل الأعمال وفي شرائع الأحكام، فلا يكتُم فضلًا في عمل، كما أنَّه لا يكتم تشريعًا، وهذا مصداق قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم سبحانه.

وإنّ من أكبر المِيزاتِ التي امتاز بها الإسلام عَن بقية الشرائع السماوية الوضوحُ في كل شيء، فلا يوجد فيه شيء غامض ولا توجد معلوماتٌ محجوبةٌ عَن مجموعة، مسموحة لمجموعة أخرى، فلا ضبابية في الإسلام، وإنما الصفة الملازمة له هي وضوح الرؤية في كل شيء.

وليس هنالك أوضح من قوله تعالى:-

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [سورة المائدة: 67].

واستدلوا على أنّ سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلم، قد بلَّغَ كلَّ ما أُنزِلَ إليه من ربهِّ عز وجل بما سبق وبما يلي:

1ـ قوله تعالى:-

{…وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل:44].

2ـ وقوله تبارك اسمه:-

{…وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل:89].

 

3ـ قول سيّدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعنكم، لمسروق رحمه الله تبارك اسمه:-

(يَا أَبَا عَائِشَةَ، مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يقول:{ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

 

4- وعنها أيضا رضي الله جلّ وعلا عنها وعنكم، قَالَتْ:-

(لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) الإمام الترمذي رحمه الله تقدّست أسماؤه.

 

5- وعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رضي الله تعالى عنه وعنكم، قَالَ:-

(قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالى عنه: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: ” لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.

العقل: الدية.

فكاك الأسير: ما يُخَلّصُ به من الأسر.

 

6ـ وعن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة رحمه الله جلّ ذكره، قال:-

(دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ( إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ)) الإمام مسلمٌ رحمه المنعم سبحانه.

قال الشيخ جمال الدين ابن الجوزي رحمه الله جلّت صفاته:-

(وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ: من النضال، وَهُوَ الرَّمْي بِالسِّهَامِ، يُقَال: نضل فلَان فلَانا فِي المراماة: إِذا غَلبه.

وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ: أَن يخرج الْقَوْم دوابهم من الْمنَازل يرعونها، يُقَال: بَنو فلَان جشر: إِذا كَانُوا يُقِيمُونَ فِي المرعى لَا يرجعُونَ إِلَى الْبيُوت كل لَيْلَة) كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/123).

 

7- وعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ رحمه الله جلّت صفاته، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:- (إِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَتَنَاجَوْنَ فِي دِينِهِمْ بِشَيْءٍ دُونَ الْعَامَّةِ , فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ ضَلَالَةٍ) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، أبو القاسم اللالكائ رحمه الله جلّ في علاه (1/53).

 

القسم الثاني: أشياء لم يُؤمر بتبليغها صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم للناس كلّهم، بل اختصّ بها بعض أصحابه.

منها:

1ـ عَنْ سيّدنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله سبحانه عنه وعنكم، أَنَّ سيدنا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:-

 (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاَثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا. وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا») الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فإذنْ سبب عدم التبليغ هو مخافة عوام الناس أنّه إذا سمعوا هذا الحديث أنْ يتكلوا ويتركون العمل، فالمصلحة الدينية تقتضي ألا يذاع هذا الحديث على الملأ جميعا، ولا على المنابر وإنْ كان يعرف، وَأَخْبَرَ بِه مُعَاذٌ رضي الله عنه عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا، وهو على فراش الموت، ليكون قد أدى الأمانة.

قال الإمام نور الدين الهروي القاري رحمه جلّ جلاله:-

(وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ لِلْعَالِمِ أَنْ يَخُصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهَةَ أَلَّا يَفْهَمُوا، وَقَدْ يَتَّخِذُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْبَطَلَةُ وَالْمُبَاحِيَّةِ ذَرِيعَةً إِلَى تَرْكِ التَّكَالِيفِ وَرَفْعِ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بَعْدَ خَرَابِ الْعُقْبَى، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُعَاذٌ مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ وَالْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ كَانُوا حَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتَادُوا تَكَالِيفَهُ، فَلَمَّا تَثَبَّتُوا وَاسْتَقَامُوا أَخْبَرَهُمْ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/98).

2ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سيّدنا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم وعنكم، أَنَّهُ قَالَ لِمولانا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي، قَالَ:-

(قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

3ـ وعَنْ الصحابي الجليل أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وعنكم قَالَ:-

(حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ) الإمام البخاري الله جلّ ذكره.

قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله جلّ ثناؤه:-

(وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.. وَإِنَّمَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْجِرَابِ الْخَبَرُ عَمَّا سَيَكُونُ مِنْ الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ فَالْمَلَاحِمُ الْحُرُوبُ الَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَالْفِتَنِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر – رضي الله عنهما- َ: لَوْ أَخْبَرَكُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ خَلِيفَتَكُمْ وَتَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا لَقُلْتُمْ كَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِظْهَارُ مِثْلِ هَذَا مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ وَأَعْوَانُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَارِ بِتَغَيُّرِ دُوَلِهِمْ) مجموع الفتاوي: (13/255ـ256).

والله تقدست أسماؤه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، وعلى آله وصحبه الأتقياء الأوفياء.