5/3/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه سيدي ونفعنا بكم في الدارين، آمين.
عفوا سيدي سؤالي هو:
رأيت في إحدى برامج التواصل الاجتماعي مقطعا مرئيا لإمام يصلي بالمسلمين في إحدى الدول الأفريقية صلاة العيد، والذي أثار استغرابي هو أن هذا الإمام قد أتى بتكبيرات صلاة العيد بلغة غير العربية، بل الأدهى من ذلك أنه قد قرأ الفاتحة باللغة نفسها؟ فهل يصح ذلك؟ وجزاكم الله تعالى خيرا.
الاسم: السيد أبو بكر
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تعالى أن يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجملك بتقواه، إنه سبحانه لا يرد من دعاه ولا يخيّب من رجاه.
لا تصحُّ الصلاة إذا كبر أو قرأ الفاتحة بغير العربية إذا كان يُحسِنُها عند جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
قبل الإجابة عن السؤال، أرجو الإنتباه إلى أنّه ليس كل ما يتم تداوله في مواقع التواصل يكون على حقيقته، فالتطور التكنولوجي يمكّن من تغيير الكثير مما يُنشر.
أمّا بخصوص سؤالك، فجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ومن وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
لا يجيزون التكبير بغير العربية إنْ كان يُحسنها، فإنْ لم يكن يُحسنها فعند ذلك يكبر بلغته، وأمّا قراءة الفاتحة فلا تصح بغير العربية.
قال الإمام الخرشي المالكي رحمه الله سبحانه:-
((قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ اللَّهُ أَكْبَرُ) بِشُرُوطٍ وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَلَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ ….. فَإِنْ عَجَزَ سَقَطَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِالتَّكْبِيرَةِ كَامِلَةً لِخَرَسٍ أَوْ عُجْمَةٍ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَوْ مُرَادِفِهَا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ النُّطْقُ وَيُكْتَفَى مِنْهُ بِالنِّيَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمُرَادِفِ وَلَا بِالْبَعْضِ، ……الْأَعْجَمِيُّ لَا يَقْرَأُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ وَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ) مختصر شرح خليل بتصرف يسير (الجزء الاول 165- 170).
وقال الإمام الماوردي الشافعي رحمه الله جلّ وعلا:-
(أَمَّا إِنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ …. فَأَمَّا إِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَكَبَّرَ بِلِسَانِهِ فَيُجْزِئُهُ، لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى أَبْدَالِهَا،) …. وَهَذَا الْقَارِئُ (أي القرآن في الصلاة) بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقُرْآنَ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا مُحَالٌ، أَوْ يَكُونَ مِثْلَ الْقُرْآنِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِنَادٌ لَهُ، أَوْ يَكُونَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَلَا مِثْلَهُ فَمَنْ قَالَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُجْزِئُ بِالْقُرْآنِ لَا بِغَيْرِهِ) الحاوي الكبير (الجزء الثاني 96-114).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله جلّ ذكره:-
(وَلَا يُجْزِئُهُ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ، لَزِمَهُ تَعَلُّمُ التَّكْبِيرِ بِهَا، فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ، …وَلَا تُجْزِئُهُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا إبْدَالُ لَفْظِهَا بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ، سَوَاءٌ أَحْسَنَ قِرَاءَتَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ لَمْ يُحْسِنْ… فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَعَرَفَ مِنْ الْفَاتِحَةِ آيَةً، كَرَّرَهَا سَبْعًا) المغني لابن قدامة (335 -351).
أمّا السادة الحنفية ومَن وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم فقد أجازوا تكبيرة الإحرام والفاتحة بغير العربية.
قال الإمام الزيلعي الحنفي رحمه العلي جلّ جلاله:-
(وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالصَّلَاةِ التَّعْظِيمُ وَقَدْ حَصَلَ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْمُعَيَّنِ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لِعَيْنِهِ فَصَارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَلَوْ آمَنَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ جَازَ إجْمَاعًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَجَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}) تبيين الحقائق (الجزء الاول 110).
ممّا سبق أرجّح أنّ صلاة هذا الإمام غير صحيحةٍ.
والله سبحانه أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم علّى سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.