26/4/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
نفعنا الله تبارك وتعالى بكم سيدي ورضي عنكم، مما صح عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ((ما من أيّامٍ العَمَلُ الصّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ مِن عَشرِ ذي الحِجَّةِ. قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: ولا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ، إلّا رجلٌ خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشَيءٍ)) هنا في الحديث الشريف لماذا ذكر ساداتنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم الجهاد أليس الجهاد هو من ضمن العمل الصالح؟ أم هنالك أعمال صالحة مخصصة في العشر وليس من ضمنها الجهاد؟ أم لأنه موسم حج وهنا مناسك حج والحج أفضل من الجهاد؟ فما هي الأعمال في هذه الأيام لغير الحاج؟
الاسم: ثامر رشيد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله خيراً على دعواتكَ الطّيّبة المباركة وأدعو لكَ بِمِثلها وزيادة.
الأعمال في هذه الأيام لغير الحاج هي: العبادة مِن ذكر الله تعالى، والتكبير، والدعاء، وقراءة القرآن، والصيام، والقيام، والصدقة، ونحر الأضاحي…… وغيرها.
قال جل شأنه:-
{وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ * هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [سورة الفجر:1-5].
وقَالَ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام :-
((مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ)، قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ فى سبيل الله؟، قَالَ: (وَلا الْجِهَادُ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
قال الإمام نور الدين السندي رحمه المعطي جلّ وعلا:-
(الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ عُرْفًا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ إِذَا وَقَعَ فِي غَيْرِهَا وَهَذَا مِنْ بَابِ تَفْضِيلِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارَيْنِ وَهُوَ شَائِعٌ وَأَصْلُ اللُّغَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُفِيدُ الْأَحَبِّيَّةَ بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْمُسَاوَاةُ لِأَنَّ نَفْيَ الْأَحَبِّيَّةِ يَصْدُقُ بِالْمُسَاوَاةِ وَهَذَا وَاضِحٌ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَظْهَرُ لِاسْتِبْعَادِهِمُ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ وَلَا الْجِهَادُ إِذْ لَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ الْجِهَادُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَحَبَّ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا أَوْ مُسَاوِيًا لِلْجِهَادِ فِي غَيْرِهَا نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا أَيَّ عَمَلٍ كَانَ، أَحَبُّ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهَا مُطْلَقًا أَيِّ عَمَلٍ كَانَ، حَتَّى إِنَّ أَدْنَى الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَحَبُّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ فِي غَيْرِهَا لَكَانَ الِاسْتِبْعَادُ مُوَجَّهًا لَكِنْ كَوْنُ ذَلِكَ مُرَادًا بَعِيدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى فَلَعَلَّ وَجْهَ اسْتِبْعَادِهِمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يُخِلُّ بِالْحَجِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهَا أَحَبَّ مِنْهَا فِيهَا وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَّا رَجُلٌ أَيْ جِهَادُ رَجُلٍ بَيَانٌ لِفَخَامَةِ جِهَادِهِ وَتَعْظِيمٌ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لَا يَكَادُ يُتَفَاوَتُ بِشَرَفِ الزَّمَانِ وَعَدَمِهِ) حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/527).
والذي يبدو مما تقدم أنّ كل عمل صالح هو مطلوب ولفظ (ما) من ألفاظ العموم، أي إن كلمة عمل تشمل جميع الأعمال الصالحة التي جاءت بها الشريعة الغراء، ولكن بعض الأعمال وردت في الشريعة الإسلامية لغير الحاج منها:
1- 2- الصيام والقيام لما روى أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام:-
(صِيَامُ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، وَقِيَامُ لَيْلَةٍ مِنْهَا كَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/1428).
وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم:-
(صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يكفر السنة الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.
3- الذكر: وَمِنْ أَفْضَل مَوَاسِمِ الذِّكْرِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. قَال الإمام النَّوَوِيُّ رحمه الله جّل جلاله:-
(يُسْتَحَبُّ الإْكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ مَا لاَ يُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:- {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}) الموسوعة الفقهية الكويتية (21/246).
4- التكبير: ((وَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ – رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فِي أَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ النَّحْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّتِهِ، فَذَهَبَ إمَامُنَا – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – إلَى أَنَّهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلْقَمَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِهِ: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} وَهِيَ الْعَشْرُ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّرَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ، وَالْحُجَّاجُ يَقْطَعُونَ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، وَيُكَبِّرُونَ مَعَ الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَوَّلُ صَلَاةٍ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهْرُ، وَآخِرُ صَلَاةٍ يُصَلُّونَ بِمِنًى الْفَجْرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ، وَفِي بَعْضِهَا: ” اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ “. وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَتَانَا عَلِيٌّ بَعْدَهُ فَكَبَّرَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قِيلَ لِأَحْمَدْ، – رَحِمَهُ اللَّهُ -: بِأَيِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ، إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ قَالَ: بِالْإِجْمَاعِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. [سورة البقرة: 203].
وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَتَعَيَّنَ الذِّكْرُ فِي جَمِيعِهَا. وَلِأَنَّهَا أَيَّامٌ يُرْمَى فِيهَا، فَكَانَ التَّكْبِيرُ فِيهَا كَيَوْمِ النَّحْرِ. وقَوْله تَعَالَى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}.[سورة الحج: 28]) المغني للإمام ابن قدامة (2/191-192).
5-الدعاء: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الإمام الترمذي رحمه العلي عزّ شأنه.
6- نحر الأضاحي: عَنْ سيدنا أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه وعنكم قَالَ:- («ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ»، قَالَ: «وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا»، قَالَ: «وَسَمَّى وَكَبَّرَ») الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على من أوتي جوامع الكلم سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.