28/5/2025

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله تعالى أنْ يجزيكم الخير كله، سؤالي:-

هل يجوز الجمع بين الأضحية والعقيقة بذبيحة واحدة؟

الإسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:-

بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى جوّز ذلك، ولم يجوّز البعض الآخر.

التفصيل:-

قال الحق عزّ شأنه:-

{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [سورة الكوثر: 2].

وقال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.

لقد تعددت آراء الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ في الجمع بين الأضحية والعقيقة بذبيحة واحدة على قولين:-

الأوّل: الجواز، وهو قول السادة الحنفية والأرجح عند السادة الحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم، واستدلوا على ذلك بما يلي:-

1- عَنْ سيّدنا الحسن رحمه الله تعالى، قَالَ:-

(إِذَا ضَحَّوْا عَنِ الْغُلَامِ، فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنَ الْعَقِيقَةِ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله سبحانه.

2- عَنْ هِشَامٍ وَابْنِ سِيرِينَ رحمهما الله تعالى قَالَا:-

(يُجْزِئُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ مِنْ الْعَقِيقَةِ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ وعلا.

ولأنّ المقصود من الأضحية والعقيقة هو التقرّب إلى الله جلّ جلاله، فدخلت إحداهما في الأخرى، كما أن تحية المسجد تدخل في صلاة الفريضة لمَنْ دخل المسجد.

قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله تعالى:-

(— أَنَّ الجِهَاتِ – وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صُوْرَةً – فَهِيَ فِي المَعْنَى وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ المَقْصُوْدَ مِنَ الكُلِّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ – عَزَّ شَأْنُهُ – وَكَذَلِكَ إِنْ أَرَادَ بَعْضُهُم العَقِيْقَةَ عَنْ وَلَدٍ وُلِدَ لَهُ مِنْ قَبْلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جِهَةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالشُكْرِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الوَلَدِ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (5/71 – 72).

وقال الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله تعالى:-

(وَلَوْ اجْتَمَعَ عَقِيقَةٌ وَأُضْحِيَّةٌ وَنَوَى الذَّبِيحَةَ عَنْهُمَا أَيْ: عَنْ الْعَقِيقَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا نَصًّا.

وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ فَعَقَّ أَوْ ضَحَّى أَجْزَأَ عَنْ الْأُخْرَى، وَمُقْتَضَاهُ إجْزَاءُ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا) كشاف القناع عن متن الإقناع (3/29).

 

الثاني: عدم الجواز، وبه قال السادة المالكية والشافعية رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

قال الإمام الحطّاب المالكي رحمه الله جلّ وعلا:-

(قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ لِلْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ لَا يُجْزِيهِ، وَإِنْ أَطْعَمَهَا وَلِيمَةً أَجْزَأَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْأَوَّلَيْنِ إرَاقَةُ الدَّمِ وَإِرَاقَتُهُ لَا تُجْزِئُ عَنْ إرَاقَتَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوَلِيمَةِ الْإِطْعَامُ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْإِرَاقَةِ، فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (3/258).

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله سبحانه:-

(وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِشَاةٍ الْأُضْحِيَّةَ وَالْعَقِيقَةَ لَمْ تَحْصُلْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْأُضْحِيَّةِ الضِّيَافَةُ الْعَامَّةُ وَمِنْ الْعَقِيقَةِ الضِّيَافَةُ الْخَاصَّةُ وَلِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي مَسَائِلَ) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (9/369 – 370).

لكن ذكر الإمام الرملي الشافعي رحمه الله تعالى الجواز فقال:-

(وَلَوْ نَوَى بِالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ الْأُضْحِيَّةَ وَالْعَقِيقَةَ حَصَلَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/145 – 146).

لكن القول بعدم الجواز هو المعتمد في المذهب.

 

ويمكن الجمع بين هذه الآراء المباركة بالقول:-

مَنْ وجد عنده سعة ذَبَحَ ذبيحتين إحداهما للأضحية والأخرى للعقيقة؛ ليخرج من تعدّد الآراء، أمّا مَنْ كان في ضيق جاز له الأخذ بقول مَنْ قَالَ بالإجزاء.

ولإتمام الفائدة يمكن الإجابة عن السؤال الآتي:-

إذا كانت الأضحية (بقرة) مثلا، وهي تجزئ عن سبعة أشخاص، وله منها سُبْعَانِ، فهل يجوز أنْ يجعل أحدَ السُبْعَيْنِ عقيقة، والسُبْعَ الآخر أضحية؟

نعم، يجوز، أمّا إنْ كان أقلّ من السُّبْعَيْنِ فلا يجزئ، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:-

(السُّنَّةُ أَنْ يَعُقَّ عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةً، فَإِنْ عَقَّ عَنْ الْغُلَامِ شَاةً حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدَانِ فَذَبَحَ عَنْهُمَا شَاةً لَمْ تَحْصُلْ الْعَقِيقَةُ، وَلَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً عَنْ سَبْعَةِ أَوْلَادٍ، أَوْ اشْتَرَكَ فِيهَا جَمَاعَةٌ جَازَ سَوَاءٌ أَرَادُوا كُلُّهُمْ الْعَقِيقَةَ أَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ الْعَقِيقَةَ وَبَعْضُهُمْ اللَّحْمَ كَمَا سَبَقَ فِي الْأُضْحِيَّةِ) المجموع شرح المهذب (8/429).

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.