22/7/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
رضي الله تعالى عنكم سيدي وأرضاكم وجنات الخلد مع الحبيب صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم جزاكم.
سؤالي هو:-
هل يجوز للصبي غير البالغ أن يكون خطيباً لصلاة الجمعة؟ أفتونا يرحمكم الله جلّ وعلا.
الاسم: ابو بكر
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
بارك الله فيكم، وجزاكم الله تبارك وتعالى خير الجزاء على دعواتكم الطيبة، وأرجو لك بمثلها وزيادة.
يشترط في خطيب الجمعة ما يشترط في الإمامة في الصلاة، بل شرط الصلاة في ذاتها أشد من شرط الخطبة، فإذا اختل بعضها لم تصح ولا تشرع الصلاة خلفه أيضا.
وقد تعددت آراء العلماء رحمهم الله تبارك وتعالى في إمامة الصبي غير البالغ بين الجواز، وعدمه.
لِعِظَمِ شأن الإمامة قَدَّمَ الشرع لها أفضلَ مَن يحضُرُ الصلاة مِن المسلمين؛ فكان سيدنا النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إمامَ المسلمين في صلاتهم إذا حضرها، وتبعه على ذلك أفضل الأمة علمًا وعملًا من الصحابة والتابعين ومَن تَبِعَهُم من أهل القرون المفضَّلة المُثْلَى، وهذا ما عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا في تقديم مَن يؤُمُّهُم في صلاتهم، وإلى يوم الناس هذا.
وإنما قَدَّم الشرع لإمامة المصلين أفضلهم وأعلمهم: رعايةً لأحكام الصلاة وشروطها؛ إذ الإمام ضامنٌ لصلاتهم، فإن أصاب فَلَهُ وَلَهُم، وإن أخطأ فعليه ولا عليهم؛ ولذلك استحقَّ الأئمةُ دعاءَ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لهم بالرشد؛ لِعِظَمِ ما أقامهم اللهُ فيه من أمر الصلاة.
فعن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله سبحانه عنه وعنكم أنّه قال: قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) الإمام أبو داود رحمه الباري جلّ جلاله.
هذا وللفقهاء في إمامة الصبي رأيان:
الأول:- عدم صحة إمامة الصبي، ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأْوْزَاعِيُّ رحمهم الله عزّ وجل إِلَى أَنَّ إِمَامَةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ فِي الْفَرْضِ لاَ تَصِحُّ؛ لأِنَّ الإْمَامَةَ حَال كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْكَمَال؛ وَلأِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ الإْخْلاَل بِشَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاَة. الموسوعة الفقهية الكويتية (14/33).
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ إِمَامَةِ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْفَرَائِضِ أَمْ فِي النَّوَافِل، لأِنَّ نَفْل الصَّبِيِّ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ لُزُومِهِ بِالشُّرُوعِ، وَنَفْل الْمُقْتَدِي الْبَالِغِ قَوِيٌّ لاَزِمٌ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ. الموسوعة الفقهية الكويتية (6/203).
عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعنكم، عن سيدنا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال:-
(لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ وَلَا سُفَهَاءَكَم فِي صَلَاتِكُم؛ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُم إِلَى اللهِ) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
وعن الصحابي الجليل سيّدنا ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما وعنكم أنّه قَالَ:-
(لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ جلاله.
قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله تبارك وتعالى:-
(لَوْ قَدَّمَ صَبِيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لِلْإِمَامِ فِي الْفَرْضِ كَمَا لَا يَصْلُحُ أَصِيلًا فِي الْإِمَامَةِ فِي الْفَرَائِضِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِنَا أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي الْمَكْتُوبَةِ عِنْدَنَا) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 227).
وقال العلامة البهوتي الحنبلي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ..؛ وَلِأَنَّهَا حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا..؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَصِحَّةَ الْإِقْرَارِ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْقِرَاءَةِ حَالَ السِّرِّ) كشاف القناع عن متن الإقناع (1/ 479-480).
والثاني: أنَّ إمامة الصبي صحيحةٌ إذا كان عالمًا بأحكام الصلاة، ملتزمًا بشروط صحتها، حافظًا لما يلزم من القراءة فيها، وهو من رواية الصحابي الجليل عمرو بن سلمة رضي الله عنهما، وجماعة من التابعين: كالإمام حسن البصري، وإسحاق، وأبي ثور، والأشعث، وهو معتمد المذهب عند الشافعية رحمهم الله تبارك وتعالى؛ لأنه لا شركة بين الإمام والمأموم في الصلاة، بل كُلُّ مصلٍّ يُصَلِّي لنفسه أداءً وحُكمًا، واقتداءُ المأموم بالإمام إنما هو في متابعته في الأفعال الظاهرة فقط؛ تحرزًا من السهو والغفلة، وهو ما وجَّه به الشافعية حديث: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ»؛ كما نص على ذلك الإمام الماوردي رحمه الله جل وعلا، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الباري عزّ وجلّ. الحاوي (2/ 228)، وأسنى المطالب (1/ 193).
فعن الصحابي الجليل عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنهما وعنكم أنه قال:-
(قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَقًّا، فَقَالَ:-(إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا)، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنِّي قُرْآنًا، فَقَدَّمُونِي وَأَنَا ابْنُ سِتّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ) الإمام البخاري رحمه الباري تبارك وتعالى.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله جل وعلا:-
( والْحَدِيثِ حُجَّةٌ فِي إِمَامَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الْفَرِيضَةِ) فتح الباري (8/ 23).
وعَنْ الصحابي هِشَام بن عروة، عَنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنهما وعنكم، أنه قَالَ:-
(لَمَّا قَدَّمَ الْأَشْعَثُ -أي: لإمامة الصلاة- قَدَّمَ غُلَامًا، فَعَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: “مَا قدَّمْتُهُ، وَلَكِنِّي قَدَّمْتُ الْقُرْآنَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عز وجل.
وقال الإمام النووي رحمه الله جل وعلا:-
(فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِينَ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا صِحَّتُهَا) المجموع (4/ 249).
ويُستدلّ أيضًا على صحة إمامة الصبي المُمَيِّز للبالغ: بما روي مِن عموم الأمر بتقديم الأقرأ للقرآن والأعلم بالسنة، دون تفرقة بين البالغ منهم وغير البالغ.
فعن الصحابي الجليل أبي مسعود الأنصاري رضي الله تبارك وتعالى عنه وعنكم أنّه قال: قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) الإمام مسلم رحمه الله عز وجل.
والذي يبدو – والله تعالى أعلم – أن الصغير ما دون سن التمييز لا يصح أن يكون خطيباً.
وأما ما فوق سن التمييز ودون البلوغ فتصح خطابته في الجمعة وغيرها إذا كانت عنده القدرة العلمية والبدنية التي تؤهله للقيام بها، وهذا ربما يتصور فيمن كان عمره مقارباً لسن البلوغ ولم يبلغ؛ استدلالاً بحديث سيّدنا عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه وعنكم، فهو صريح في جواز إمامة الصغير، وما جاز في الإمامة جاز في الخطابة؛ لأنّ شرط الصلاة في ذاتها أشد من شرط الخطبة.
قال ابن عابدين رحمه الله تبارك وتعالى:-
(لَوْ خَطَبَ صَبِيٌّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالْخِلَافُ فِي صَبِيٍّ يَعْقِلُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْجَوَازِ) رد المحتار على الدر المختار (2/162).
وبناءً على ما تقدم فالراجح عندي:
أن للأعراف اعتباراً في هذه المسألة فعند بعض المجتمعات عندما يكون الأطفال مثقفون وعندهم الجرأة وتتوفر فيهم شروط الإمامة والمجتمع يقبل مِن الطفل فعند ذلك يؤخذ برأي السادة الشافعية ومن وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
وأمّا إذا كان المجتمع عشائرياً وفي الغالب لا يتقبل إمامة الصبي فيُؤخذ برأي السادة الحنفية ومَن وافقهم رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأميّ الطاهر الزكي وعلى آله وصحبه أجمعين.