17/8/2025

نص السؤال:

السلام عليك سيّدي أودّ أنْ توضّح لنا هذه المسألة:-

اختلفت آراء بعض الناس والعلماء على شكل الأرض، منهم مَنْ يقول مسطّح، ومنهم مَنْ يقول كروي، وَكِلا الطرفين أدلتهم قوية: أرجو الجواب.

 

الاسم: أيوب

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم.

الجواب باختصار:-

الأرض كروية منبسطة وكونها منبسطة لا ينافي كرويتها.

التفصيل:-

للعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة قولان:-

الأوّل: إنّها مسطحة. وهذا ما ذهب إليه أكثر المفسرين، ودليلهم في ذلك قوله سبحانه:-

{وَالْأَرْضَ مَدَدْناها} [سورة الحجر: 19]. يعني بسطناها.

ينظر تفسير مقاتل بن سليمان (2/415)، تفسير الطبري (19/17)، تفسير السمرقندي (253/2)، تفسير الثعلبي (5/333)، تفسير الهداية بلوغ النهاية (19/3872)، تفسير السمعاني (3/133)، تفسير البغوي (3/54)، زاد المسير في علم التفسير (2/528)، تفسير القرطبي (10/12)، تفسير البيضاوي (5/140)، البحر المحيط (6/472)، تفسير الدرر المصون في علم الكتاب المكنون (7/151)، تفسير ابن كثير (7/396)، اللباب في علوم الكتاب (11/ 442)، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (1/217)، تفسير الجلالين (1/339)، نظام الدرر في  تناسب الآيات والسور (7/250)، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور (5/70)، السراج المنير (2/197)، تفسير أبي السعود (5/71)، روح البيان (9/107)، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (5/445)، روح المعاني (14/28)، تفسير المراغي (14/14)، زهرة التفسير (8/4078)، صفوة التفاسير (3/225)، تفسير الطنطاوي (8/30)، تفسير الماوردي (3/153) رحمهم الله جلّ في علاه.

 

الثاني:- إنّها كروية. وبذلك قال: فضيلة الشيخ ابن عرفة والإمام الشعراوي وفضيلة الشيخ الزحيلي رحمهم الله جلّ في علاه.

قال الإمام الشعراوي رحمه الله تعالى.

(وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَهِيَ كُرَةٌ، إِذَنْ مَا دَامَتِ الأَرْضُ مُسَطَّحَةً.. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُوْنَ لَهَا حَيِّزٌ.. فَإِذَا جِئْتَ فِي آخِرِ السَّطْحِ.. لَا بُدَّ أَنْ تَصِلَ إِلَى حَافَةٍ.. وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُوْلُ (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا).. وَمَعْنَى مَدَدْنَاهَا أَنَّكَ أَيْنَمَا ذَهَبْتَ فَوْقَ سَطْحِ الكُرَةِ الأَرْضِيَّةِ.. تَرَاهَا مَمْدُوْدَةً أَمَامَكَ.. أَي مُنْبِسَطَةً أَمَامَكَ.. فَإِذَا ذَهَبْتَ إِلَى القُطْبِ الشّمَالِيّ رَأَيْتَ الأَرْضَ مُنْبَسِطَةً.. وَإِذَا أَسْرَعْتَ إِلَى القُطْبِ الجَنُوْبِيّ رَأَيْتَ الأَرْضَ مُنْبَسِطَةً.. وَإِذَا ذَهَبْتَ إِلَى خَطِّ الاسْتِوَاءِ وَجَدْتَّ الأَرْضَ أَمَامَكَ مُنْبَسِطَةً.. فِي أَيِّ مَكَانٍ نَذْهَبُ إِلَيْهِ نَرَى الأَرْضَ مُنْبَسِطَةً.. وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الأَرْضُ كُرَوِيَّةً.. إِذَنْ فَقَوْلُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) دَلِيْلٌ عَلَى كُرَوِيَّةِ الأَرْضِ —) معجزة القرآن للشيخ الشعراوي (45)، وينظر تفسير الشعراوي (5/3098)، والتفسير المنير للزحيلي (1/32)، وتفسير ابن عرفة (4/54) رحمهم الله عزّ وجلّ.

وهذا ما أكّده علماء الفلك بعد دراسات وبحوث استغرقت عشرات السنين، إذ قالوا:-

(الأَرْضُ ذَاتُ شَكْلٍ بَيْضَوِيّ كَالكُرَةِ، وَذَلِكَ مَا تَقْتَضِيْهِ سُنَّةُ الطَّبِيْعَةِ فِي دَوْرَتِهَا الرَّتِيْبَةِ المُنْتَظمَةِ، وَمَا تَقْتَضِيْهِ عَجَلَةُ الكَوْنِ المُتَحَرِّكِ الدَّقِيْقِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الأَرْضُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الاسْتِدَارَةِ لَتَعَطَّلَتْ نَوَامِيْسُ الخَلْقِ عَلَى هَذَا الكَوْكَبِ، وَلَبَاتَتِ الحَيَاةُ عَلَى ظَهْرِهِ مَشْلُوْلَةً أَوْ مُسْتَحِيْلَةً).

 

والذي يبدو ممّا تقدّم أنّ المسألة بحاجة إلى توضيح حيث لا يوجد تعارض فيما قصده الفريقان لأنّ أصحاب القول الثاني بالرغم من قولهم بأنّ الأرض كروية لم يعارضوا قول الانبساط.

ويمكن الجمع بين هذين القولين بأنّ الأرض منبسطة إذا سرت عليها، ولا تصل إلى نهايتها، وقد خاطب الحقّ تعالى عباده بالسير فقال:-

{أَوَلَمْ يَسِيْرُوْا فِي الأَرْضِ} [سورة فاطر: 44].

وقال الحق جلّ جلاله:-

{سِيْرُوْا فِيْهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِيْنَ} [سورة سبأ: 18].

وهذا السير يدلّ على الانبساط، ولا يكون كذلك إلّا إذا كان الشكل الخارجي كرويًّا.

 

وقد جاءت التقنيات الحديثة وبيّنت ذلك على وجه اليقين فازددنا إيمانًا بكتابنا العزيز، وأعطتنا حجّة قويّة لمقارعةِ المعاندين، وإنارة عقول الغافلين، فإنْ كان الإنسان مؤمنًا كفاه إيمانه بما ورد في كتاب ربّه جلّ وعلا، ومَنْ لم يكن مؤمنا بما جاء في القرآن الكريم فينبغي أنْ ينصاع للحقائق العلمية الثابتة، فالصور والدلالات الآن تدلّ على كروية الأرض، ولا أرى داعيًا للسؤال عن هذا الموضوع بعد كلّ هذه الحقائق التي أصبحت معلومة للقاصي والداني.

والله عظمت صفاته أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على المبعوث رحمة للعالمين، وقائد الغر المحجلين، سيّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.