23/8/2025
نص السؤال:
السلام عليكم.
شيخنا حفظكم الله وأدامكم عزاً لنا وموجهين لأمة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.
شيخنا كنت في شبابي قد أحببت أحدهم وقد كنت صغيرة لا أعرف مدى عقاب ذلك لكنه قام بخداعي وسرق أموالي، وكنت أكذب على أهلي بسببه وقام بخداعي وتركني، وتزوج لكني يا شيخي والحمدلله عدت الى رشدي وتبت الى الله لكني لم أسامحه وبعض الاحيان احتسب لله عليه وبمرور السنين تزوجت رجلاً صالحاً طيباً تقياً يخاف الله بي أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحد شيخنا عرفت بمرور الزمن أن الخصوم تجتمع عند الله يوم القيامة هل يكشف أمري على زوجي يوم القيامة؟؟ وهل أنا مذنبة بعدم مسامحة ذلك الشخص وهل يحق لي أن لا أعفو ولا أصفح؟؟ وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركِ على زيارتكِ لهذا الموقع الكريم، وعلى دعواتكِ الطيبة المباركة، وأسأل الله لكِ بمثلها وزيادة.
صاحب التوبة لا يفضح يوم القيامة برحمة الله تعالى، أمّا المسامحة فبيد صاحب الحق إنْ شاء سامح أو طالب، وكونه ترككِ ربما هذا شر خلّصكِ الله عزّ وجلّ منه.
قال الله جلّ ثناؤه:-
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [سورة سيدنا لقمان: 20].
قال الإمام البغوي رحمه الله سبحانه:-
(قَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَالْبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَمْ يُعَجِّلْ عَلَيْكَ بِالنِّقْمَةِ) معالم التنزيل في تفسير القرآن (590/3).
وقال سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى:-
(قَوْلُهُ يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ ربه قَالَ بن التِّينِ يَعْنِي يَقْرُبُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَقَوْلُهُ فَيَضَعُ كَنَفَهُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ الْمُرَادُ بِالْكَنَفِ السِّتْرُ وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَاءٍ عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ كَنَفُهُ سِتْرُهُ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تُحِيطُ بِهِ عِنَايَتُهُ التَّامَّةُ) فتح الباري لابن حجر (13/477).
قال الإمام القسطلاني رحمه الله جلّ وعلا:-
(جعله مقرًّا بأن أظهر له ذنوبه وألجأه إلى الإقرار بها حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (4/ 254 -255).
قال الملا علي القاري رحمه الله سبحانه:-
(وَيَسْتُرُهُ أَيْ: عَنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ; كَيْلَا يَفْتَضِحَ، وَقِيلَ: أَيْ يُظْهِرُ عِنَايَتَهُ عَلَيْهِ وَيَصُونُهُ عَنِ الْخِزْيِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/3525).
فأما مسألة هل أنا مذنبة إن لم أسامح: هذا الأمر عائد إلى صاحب الحق، سواء سامح أو طالبَ، فإذا كان صاحب حق ولم يسامح لا يأثم، وإنْ سامح فلهُ أجرٌ عظيم.
والحقوق عند الله تؤدى كما قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين:-
(لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
قال القاضي عياض رحمه الفرد الصمد:-
(أن المراد به ضرب مثل؛ ليشعر الباري سبحانه الخليقة أنها دار قصاص ومجازاة، وأنه لا يبقى لأحد عند أحد حق، فضرب المثل بالبهائم التي ليست مكلفة حتى يستحق فيها القصاص، ليفهم منه أن بنى آدم المكلفين أحق وأولى بالقصاص منهم. ويصح عندى أن يخلق الباري سبحانه هذه الحركة في البهائم فى الآخرة ليشعر أهل المحشر بما هم صائرون إليه من العدل بينهم. وسمى ذلك قصاصًا لا على معنى قصاص التكليف، ولكن على معنى قصاص المجازاة) إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/51).
وأما كشف الأمر لزوجك يوم القيامة، فلا ينكشف إن صدقتي في التوبةِ قال الحقّ عزّ وجلّ:-
{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الفرقان: 70].
قال الإمام القرطبي رحمه الكريم المنان:-
(فَلَا يَبْعُدُ فِي كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا صَحَّتْ تَوْبَةُ الْعَبْدِ أَنْ يَضَعَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ: أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) الجامع لأحكام القرآن (13/78).
وقال سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(لَا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
قال الإمام النووي رحمه الله عزّ شأنه:-
(قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتُرُ مَعَاصِيَهُ وَعُيُوبَهُ عَنْ إِذَاعَتِهَا فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَالثَّانِي تَرْكُ مُحَاسَبَتِهِ عَلَيْهَا وَتَرْكُ ذِكْرِهَا قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ يَقُولُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (16/143).
قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى:-
(فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَيَقُولُ لَهُ اقْرَأْ صَحِيفَتَكَ فَيَقْرَأُ وَيُقَرِّرُهُ بِذَنْبٍ ذَنْبٍ وَيَقُولُ أَتَعْرِفُ أَتَعْرِفُ قَوْلُهُ فَيَقُولُ نَعَمْ زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ أَيْ رَبِّ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَهِشَامٍ فَيَقُولُ أَعْرِفُ قَوْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَيَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فَيَقُولُ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ إِنَّكَ فِي سِتْرِي لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي) فتح الباري (10/488).
أما تركه إياكِ فهذا شرٌ خلصكِ الله تعالى منه، وقد أبدلكِ بزوجٍ خيرٍ منه، كما قال حضرة النّبيّ الأكرم عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام:-
(عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ، إِنَّ اللهَ لَا يَقْضِي لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد.
هذا والله تقدّست أسماؤه أعلم.
وصلى الله وبارك وسلم على سيدنا محمد جامع العلوم والحكم، وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والكرم.