23/9/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أتمنى أن تكونوا في أتم الصحة والعافية.
أودّ أنْ أسأل حضرتكم قربان عن العدل الالهي.
الله سبحانه وتعالى هو العدل المطلق، وقد خلق الأنبياء عليهم السلام، والصالحين رضوان الله عليهم، وسائر البشر على اختلاف مراتبهم، من الناس المتوسطين إلى الكافرين. وكل إنسان يمر باختبار في حياته، وقد تكون استجابته لهذا الاختبار هي التي تحدد مكانته، والحمد لله على عدله وحكمته.
لكن لدي تساؤل يتعلق بكيفية العدل الإلهي في ظل اختلاف القدرات والهمم التي خلقها الله سبحانه وتعالى في الناس. فالأنبياء والصالحون يمتلكون هممًا عالية وقدرات استثنائية، تختلف كثيرًا عن همم الناس المتوسطين أو الكافرين. والله سبحانه وتعالى هو من خلق هذه القدرات والهمم. كما أنّ الله هو الذي خلق البيئة التي ينشأ فيها الإنسان، مِن أهل وأصدقاء وظروف محيطة، بل وحتى قدرات الشخص العقلية والصحية التي قد تختلف مِن إنسان إلى آخر.
سؤالي هو: كيف يكون العدل الإلهي في محاسبة الجميع مع وجود هذه الاختلافات الجوهرية التي خلقها الله بحكمته؟ هل كل شخص يُعطى اختبارًا يتناسب مع ظروفه وقدراته، كأنّ الله يمنح كل فرد ورقة بيضاء بنفس الأبعاد، لكنها تُقسم بحسب حكمة الله في خلقه.
على سبيل المثال:
1-الشخص الذي يُخلق بذكاء عالٍ وينشأ في بيئة سليمة، قد يكون اختباره في نشر الإسلام وتبيين الحق الذي وصل إليه، مع مجاهدة نفسه على أداء هذا الواجب.
2- الشخص الذي يُخلق بذكاء أقل وينشأ في بيئة غير متدينة، قد يكون اختباره في الالتزام بالصلاة والسنن، وهو أمر قد يجده صعبًا جدًا.
3- شخص آخر يعيش في دولة بعيدة عن الإسلام ومن غير دين، قد يكون اختباره في البحث عن الحق واتباعه، أو في بر والديه مثلًا.
كل من هؤلاء خلقه الله ببيئة وظروف مختلفة، وبقدرات وهمم متباينة. فإذا نجح كل منهم في اختباره الخاص، فهل سيصلون إلى نفس النتيجة او المنزلة عند الله سبحانه وتعالى؟ كيف يكون العدل الإلهي في مكافأتهم مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف هذه المتغيرات التي خلقها الله سبحانه وتعالى؟ جزاكم الله خيرًا وبارك في علمكم ورفع قدركم في الدنيا والآخرة، وأعتذر على الإطالة وأشكركم على سعة صدركم.
الاسم: عبد الله بشیر
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرًا على سؤالك الكريم، الذي يدلّ على عمق في التفكّر والتدبّر، وأسأل الله تعالى أنْ يفتح لكم أبواب الفهم والنور، ويجعلنا وإياكم مِن أهل الإنصاف واليقين والسرور، إنّه جلّ في علاه جواد كريم غفور.
إنّ عدل الله سبحانه وتعالى لا يُقاس بمسألة المساواة الظاهرية بين الناس، بل جميع أفعاله لا تخرج عن العدل ولا يتصور منه خلاف ذلك أصلا، فالظلم التصرف بغير استحقاق وجميع المخلوقات هي ملك لله الواحد الأحد تبارك وتعالى، يفعل فيها ما يريد، وما ربك بظلام للعبيد، قال جلّ في علاه:-
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 40].
ومن فضله تعالى ورحمته أنه يجعل للفروق الفردية التي خلقها فيهم من قدرات وظروف وبيئات اعتبارا في التكليف والحساب والجزاء، قال تعالى:-
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [سورة الطلاق: 7].
فكل إنسان يُحاسب على ما أُوتي، لا على ما لم يُعطَ، وهذا هو العدل المطلق الذي لا يُدركه إلا مَن تأمل في حكمة الله تعالى وتفصيل خلقه.
إنّ الله تعالى خلق الخلق وأودع فيهم الطاقات والهمم ومِن كمال رحمته بهم أنْ جعل هذه الطاقات متفاوتة؛ كيما يُسَخّرَ بَعضَهم لبَعْض قال الحقّ جلّ جلاله:-
{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[سورة الزخرف: 32].
وكذلك هم مختلفون في سعيهم وعملهم، قال جلّ وعلا:-
{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [سورة الليل: 4].
فالله سبحانه خلق الناس مختلفين في السعي، والقدرة، والبيئة، والهمّة، ثم جعل لكلٍّ منهم اختبارًا يناسبه، ومحاسبةً عادلةً على ما بذل مِن جهد، لا على ما لم يُتح له، فحساب العلم وذو الفطنة ليس كحساب الجاهل، قال تبارك اسمه:-
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الزمر: 9].
وحساب من بلغته الدعوة ونشأ في مجتمع محافظ ليس كمن نشأ في بلاد العمى والكفر ولم تبلغه الدعوة بصورتها الصحيحة قال جلّ في علاه:-
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15].
ومع هذا كله فالناس يشتركون في نسبة مِن العقل تؤهلهم للتكليف والخطاب الشرعي، فبهذه النسبة يفرق بين العاقل والمجنون، وبهذه النسبة تتفاوت الدرجات والأجور، وقد لا تكون الظروف والبيئة في بعض الأحيان سببا في التقصير في نيل الدرجات والأجور العظيمة؛ لأنّ الحق تبارك وتعالى فتح لنا باب النيات كيما يعوض مَن لم تساعده ظروفه ليشارك أهل الهمم العلية ما وصلوا إليه، قال عليه أزكى صلاة وتحية، وعلى آله وصحبه أهل التقى والحمية:-
(إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ) الإمام الترمذي رحمه المولى جلّ جلاله.
فالمعيار الإلهي ليس في النتائج، بل في النية والمجاهدة، وهذا ما يجعل الأجر متفاوتًا بحسب الصدق والإخلاص، لا بحسب الذكاء أو البيئة.
وأما البحث عن كيفية الحساب وكيفية إقامة العدل الإلهي، فهذا من علم الغيب الذي يؤمن به المؤمن الصادق ولا يدخل عقله القاصر في تفاصيله، ويجزم بأنّ الله تعالى حَكَمٌ عدل، يقيم الميزان بالقسط، قال سبحانه:-
{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 47].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.