29/9/2025

نص السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي العزيز..

سؤالي هو:-

ماهي الضرورات التي تبيح للحائض أو النفساء بالدخول إلى حرم المسجد واللبث فيه؟ مع الشكر والتقدير.

 

الاسم: سائلة

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكراً جزيلاً على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة.

 

الجواب باختصار :-

هذه مسألة تنوعت فيها أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فلا ينبغي التشدد فيها؛ فضلًا عَن الضرورات التي تتغير بوجودها الأحكام الشرعية، فهناك صور وحالات أباحت فيها الشريعة الغرّاء للحائض الدخول إلى المسجد والمكوث فيه وإنْ كانت على خلاف الأصل دفعًا – مثلًا – لضرورة الخوف مِن ضرر يغلب الظنّ بتحققه، أو لجلب مصلحة مهمة تفوت بعدم الحضور كمجلس علم أو تزكية لعالمٍ ربانيٍّ، إلا أنّ توفير البدائل مثل تهيئة قاعة ملحقة بالمسجد للمعذورات مِن النساء أفضل خروجًا مِن الخلاف.

 

التفصيل:-

لقد تنوعت أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة بين مَن أجاز ذلك للضرورة أو الحاجة وبين مَن منعها تمامًا، ولكلٍّ منهما أدلته المعتبرة، فمَنْ أدلة القائلين بعدم جواز مكث الحائض في المسجد تعظيمًا له، ما روته السيدة أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله تعالى عنها وعنكم حيث قَالَتْ:-

(أَمَرَنَا تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ) أبو داود رحمه الله المعبود.

أما القائلين بالجواز فلهم أدلة منها:

١- قوله تعالى:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 43].

 

استدل العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بأنّ هذا النص الشريف يُفهم منه جواز الدخول للجنب العابر – وفيه صورة الإضطرار والحاجة – والحائض في حكم الجنب فإذا دفعتها الضرورة والحاجة فلا بأس.

 

٢- الحديث الشريف:-

(بيْنَما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ، فَقالَ: يا عَائِشَةُ، نَاوِلِينِي الثَّوْبَ. فَقالَتْ: إنِّي حَائِضٌ، فَقالَ: إنَّ حَيْضَتَكِ ليسَتْ في يَدِكِ فَنَاوَلَتْهُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

 

٣-عَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللهُ سبحانه عنه وعنكم:-

(أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم جلّ وعلا.

 

وقاسوا الحيض على الجنابة، فالحائض إذا أمِنَتْ تلويث المسجد وهذا متيسر حاليًا فلا مشكلة في المكث، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا كما قال علماء الأصول رحمهم الله عزّ اسمه.

لقد نظر العلماء رضي الله تبارك اسمه عنهم وعنكم إلى الحيض من جانبين: جانب مادي محسوس وآخر روحي خفي، ولهذا أجاز بعضهم حضور الحائض مجالس العلم إذا تأمن عندها الجانب المحسوس في الطهارة، وهذا متيسرٌ في عصرنا.

كما أنّهم درسوا الجانب الروحي في المنع فقالوا: لا خلاف في طهارة عرق الحائض في الأصل، ولهذا أباح بعضهم المُكث مُطلقًا لحاجة أو غيرها بما ذكرتُ من الأدلة أعلاه وبما احتج به بعضهم بأن المُشرك يمكث في المسجد كما جاء في السيرة المعطرة فالمسلمة الحائض أولى، وقال بعضهم بأنّ الأصل عدم التحريم وليس لِمَن حرّم دليل صحيح صريح.

وهكذا فلقد رجّح جماعة مِن العلماء والمُحققين رضي الله تعالى عنهم وعنكم بأنّ الحائض في مكة المكرمة إذا لم يمكنها الانتظار حتى تطهر فلها حينئذٍ أنْ تغتسل وتتحفظ وتطوف بالبيت، ولا شيء عليها، حيث لا يُكلف الله نفسها إلا وسعها.

 

ومع تنوع أقوال العلماء رضي الله جلّ ثناؤه عنهم وعنكم في المسألة فإنّ الأمور المتعلقة بالدين مبنية على الاحتياط، والخروج من الخلاف مستحب، وبالمقابل فإنّ حاجة النساء للعلم والوعظ أصبحت في منزلة الضرورة فقد يفوتها بالمنع خير كثير في بعض الأحيان والحالات فينبغي على المسلمين تهيئة قاعة خاصة ملحقة بمصلى النساء مهيئة لاستقبال الحُيّضُ مِن النّساء ليشهدن الخير ولا يمنعهنّ هذا العارض منه، فإنْ تعذر ذلك واضطرت الحائض لدخول المسجد لصعوبة المكث خارجه بسبب الحر أو البرد أو غيره فلا أرى بأسًا به على أنْ يكون على سبيل الاضطرار، ولا ينبغي التعامل معهنّ بأسلوب فظٍ يجرح مشاعرهنّ فهذا أمر قد كتبه الله تعالى عليهنّ، وهذا مِن رحمة الإسلام وسعته فكلما ضاق الأمر اتسع كما أصّل بذلك علماء الأصول رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

 

الخلاصة: الخروج من الخلاف أولى؛ فاتخاذ الوسائل البديلة هو الصحيح، كتخصيص قاعة للمعذورات؛ فإنْ تعذر فيُمكن لهنَّ دخول المسجد لنيل فائدة مهمة تفوت؛ وفي الأمر مُتسع فلا ينبغي التشدد فيه.

 

والله عزّ شأنه أعلم.

 

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.