3/10/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته حضرة الشيخ.

سؤالي هو:-

هل الذهب المصاغ (عيار 21 و18) الذي اشتريناه لغرض لبسه ليس لغرض الخزن عليه زكاة لكن ما لبست جزءًا منه يمكن أكثر من ثلاث سنوات؟ ولو عليه زكاة كيف أحسب الزكاة لو اشتريته تقريبا مِن 10سنوات لأن الذي أعرفه أن الذهب السبائك الخام فقط عليه زكاة (عيار 24).

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر زيارتكِ لهذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ وعلا لكم الحرص الدائم لتزكية أنفسكم وأموالكم، إنّه سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

 

الجواب باختصار:-

تعددت آراء الفقهاء رحمهم الله تعالى حول زكاة الحُلِيّ مِن الذهب والفضة التي تلبسها النساء هل فيها زكاة أم لا؟

والذي عليه رأي ساداتنا فقهاء الحنفية رضي الله سبحانه عنهم وعنكم أنّ عليها زكاة سنوية إذا بلغت 20 مثقالاً صافيا.

التفصيل:-

الأصل أنّ في الذهب والفضة زكاةً لعموم قوله تعالى:-

{– وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [سورة التوبة: 34-35].

تعددت أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في مسألة حكم الزكاة في حُلِيِّ المرأة ولبيان ذلك أقول:-

أولاً: سبب تَعَدُّدِ الآراء فيها:

قال الإمام أبو الوليد ابن رشدٍ الحفيد رحمه الحفيظ جلّ جلاله:-

(وَالسَّبَبُ فِي تَعدّد الآراء فيها: تَرَدَّدُ شَبَهِهِ بَيْنَ الْعُرُوضِ وَبَيْنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ اللَّتَيْنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا الْمُعَامَلَةُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْعُرُوضِ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمَنَافِعُ أَوَّلًا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالتِّبْرِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي الْمَقْصُودُ فيهَا الْمُعَامَلَةُ بِهَا أَوَّلًا قَالَ: فِيهِ الزَّكَاةُ.

وَلِتعدّدِ آرائهم أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ تَعَدّد الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ فَخَلَعَتْهُمَا وَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ» . وَالْأَثَرَانِ ضَعِيفَانِ، وَبِخَاصَّةٍ حَدِيثُ جَابِرٍ، وَلِكَوْنِ السَّبَبِ الْأَمْلَكِ لِاخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ الْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ لِلِّبَاسِ بَيْنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ اللَّذَيْنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا أَوَّلًا الْمُعَامَلَةُ لَا الِانْتِفَاعُ، وَبَيْنَ الْعُرُوضِ التي الْمَقْصُودِ مِنْهَا بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ – أَعْنِي: الِانْتِفَاعَ بِهَا لَا الْمُعَامَلَةَ، وَأَعْنِي بِالْمُعَامَلَةِ: كَوْنَهَا ثَمَنًا) بداية المجتهد ونهاية المقتصد بتصرّف يسير(2/11).

ثانياً: أقوال العلماء رضي الله تعالى عنه وعنكم:

القول الأول: يرى وجوب الزكاة في حليّ المرأة كلّ عامٍ.

وهو مذهب السادة الحنفية ومَن وافقهم رحمهم ربّ البريّة جلّ وعلا.

قال الإمام السرخسي رحمه الله عزّ وجلّ:-

((وَلَنَا) حَدِيثُ الصحابي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله تعالى عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ – «رَأَى امْرَأَتَيْنِ تَطُوفَانِ بِالْبَيْتِ وَعَلَيْهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُمَا، فَقَالَتَا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ، فَقَالَتَا: لَا، فَقَالَ: – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَدَّيَا زَكَاتَهُمَا» ، وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ دُونَ الْإِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَالْإِعَارَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا لَهَا مِنْ ذَهَبٍ فَسَأَلَتْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَكَنْزٌ هِيَ، فَقَالَ: إنْ أَدَّيْتِ مِنْهَا الزَّكَاةَ فَلَيْسَتْ بِكَنْزٍ» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا يَسْقُطُ بِالصَّنْعَةِ…..) المبسوط (2/192).

القول الثاني: يرى عدم وجوب الزكاة في حُلِيّ المرأة مطلقاً.

وهذا مذهب جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله جلّ جلاله:-

(ولَيْسَ فِى حَلْىِ المَرْأَةِ زَكَاةٌ إذَا كَانَ مِمَّا تَلْبَسُهُ أو تُعِيرُهُ هذا ظَاهِرُ المَذْهَبِ. وَرُوِيَ ذلك عن ابْنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأنسٍ، وعائشةَ، وأسماءَ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وبه قال القاسمُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ومحمدُ بن عليٍّ، وعَمْرَةُ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

وذَكَرَ ابنُ أبي موسى [عن الإمام أحمدَ] رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّ فيه الزكاةَ. وَرُوِى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعبدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العَاصِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعبدِ اللَّه بن شَدَّادٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومَيْمُونِ بن مِهْرَانَ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي رحمهم الله سبحانه) المغني (3/42).

القول الثالث: يرى وجوب الزكاة في حليّ المرأة مرة واحدة في العمر.

وهو مذهب الإمام مالك ومَن وافقه رضي الله تعالى عنه وعنكم.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه العليّ جلّ في علاه:-

(وَقَالَ مَالِكٌ: يُزَكَّى عَامًا وَاحِدًا) المغني (3/42).

روى الإمام البيهقي رحمه العليُّ سبحانه بإسناده إلى:

(….أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه فِي الْحُلِيِّ قَالَ: ” إِذَا كَانَ يُعَارُ وَيُلْبَسُ فَإِنَّهُ يُزَكَّى مَرَّةً وَاحِدَةً ) السنن الكبرى (4/233).

ولعل حجة هذا القول أيضا أنّه في حكم الضمار – أي المال غير النامي.

القول الرابع: يرى وجوب الزكاة في حليّ المرأة على سبيل العارية وليس التصدق منه.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تبارك اسمه:-

(قَالَ الإمام أَحْمَدُ رحمه الله سبحانه: خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ. وَيَقُولُونَ: زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ) المغني (3/42).

أمّا الراجح الذي أراه هو قول الإمام مالك رضي الله عنه وعنكم، أنّه يُزَكّى مرةً واحدةَ في العمر بشرطين:

1- أنْ لا تقتني أكثر مما تلبس مَثِيلَاتُهَا.

2-  أنْ تلبس هذا الحُليّ بالتناوب بأنْ لا تَمُرُّ عليه السنّة إلا وقد لبست هذا الذهب كله.

أمّا التي لا تلبس الذهب كله فهذه كلّ سنة تُزَكّي.

وفي الختام:

أحبّ أنْ أُسدي نصيحة لكلّ أخواتي وبناتي، فالمعلوم أنّ النساء بصورة عامة تحب لبس الحلي من الذهب.

وتأتي أوقات عليهن يبعنه لظرف خاص، فيُبقين بلا حلي يزينهن، وحين تؤدي المرأة زكاة حليها من الذهب والفضة فلتعلم أن الله سبحانه سيبارك لها فيه بل ويزيده، وأنّ الزكاة لا تنقص منه شيئا.

قال سيدنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(ثَلاَثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا) الإمام الترمذي رحمه العليُّ جلّ جلاله.

ولمعرفة كيفية اخراج الزكاة مِن الذهب عيار 18 و21 و24 أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2657) في هذا الموقع المبارك.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّدٍ إمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين، وعلى آله وأصحابه الميامين.