17/10/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
سؤالي هو:- تارك الصلاة هل تحل ذبيحته.
الاسم: حسين حسن مخلف
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.
تارك الصّلاةِ جُحُوداً لا تُؤكل ذَبِيْحَتُهُ لأنّهُ كافرٌ باتِّفَاقِ الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم، وتاركها تكاسلاً ليس بكافرٍ وتَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ على الرأي الراجح مِن أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى.
قال الله عزّ شأنه:-
{وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} [سورة البقرة: 43].
الصلاة ركن مِن الأركان التي بُني الإسلام عليها، وقد بيّن سيّدنا النبي صلى الله تعالى علّيه وآله وصحبه وسلَّم أنّها الفاصل بين الإسلام والكفر فقال:-
(العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
أي المانع مِن كفره كونهُ لم يترك الصلاة، فإنْ كان منكراً لوجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج مِن ملة الإسلام، إلا أنْ يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه.
وإن كان تركهُ تكاسُلاً مع اعتقاده وجوبها، كما هو حال كثير من الناس فقد تعددت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فيه على النحو الآتي:
يرى سادتنا الحنفية والمالكية والشافعية ومن وافقهم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم أن تارك الصلاة تكاسلاً لا يُكفّر.
قال الإمام ابن عابدين الحنفي رحمه العلي جلّ جلاله:-
(وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا لِثُبُوتِهَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَتَارِكُهَا عَمْدًا مَجَانَةً ــ أَيْ تَكَاسُلًا فَاسِقٌ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ ــ) الدر المختار: (1/352).
وقال الإمام أبو بكر بن حسن بن عبد الله الكشناوي رحمهم الله عزّ وجلّ:-
(تَارِكُ الصّلَاةِ، وَهُو على قِسْمَيْن: إِمّا أنْ يَكُونَ التّرْكُ تَهَاونًا وَكسًلا وَهُو مُقِرٌ بِوُجُوبِها، وإِمّا أنْ يَكُونَ التّرْكُ جَحْدًا وَهُو غَيْرَ مُقِرٍ بِوُجُوبِهَا، وَأَشار المصنف إلى الأول بقوله:-
(وَتَارِكُ الصّلاةِ تَهَاونًا لِيَخْرُجَ وَقْتُهَا الضّرُوري يُضْرَبُ وَيُهَدّد، وَالجَاحِدُ كَافِرٌ، أي مُرْتَدٌ عَن دِينِ الإِسْلَامِ)) أسهل المدارك: (1/263- 264).
وقال الإمام شمس الدين الغزي الشافعي رحمه الباري سبحانه:-
(وَتَارِكُ الصّلاةِ المَعْهُودةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أنْ يَتْرُكْهَا وَهُو مُكَلّفٌ غَيْرُ مُعْتَقِدٌ لِوُجُوبِهَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُرْتَدِ وَالثّانِي أنْ يَتْرُكْهَا كَسَلًا حَتى يَخْرُجَ وَقْتُهَا حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا، فَيُسْتَتَابُ؛ فإِنْ تَابَ وَصَلّى وإِنْ لَمْ يَتُب قُتِلَ حدًّا لا كُفْرًا، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ فِي الدّفْنِ فِي مَقَابِرِهِم، وَلا يُطْمَسُ قَبْرُه، وَلَه حُكْمُ المُسْلِمِينَ أَيضًا فِي الغَسْلِ وَالتّكْفِينِ وَالصّلاَة عَلَيْهِ) فتح القريب المجيب: (1/292-293).
ويرى السادة الحنابلة ومن وافقهم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم أن تارك الصلاة كافر إلا أن يكون جاهلاً لفرضيتها،
قال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه العلي تعالى:-
(تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ) المغني لابن قدامة (2/329).
فتارك الصلاة إنْ كان تاركاً لها جحوداً وانكاراً فهو كافر وإنْ تركها
تكاسلاً فهو مسلم على رأي جمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى وتجري عليه أحكام المسلمين ومنها حِلُّ ذبيحته.
قال الإمام عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي رحمه الله العلي وهو يبين شروط التذكية:-
(وَأَمَّا كَوْنُ الذَّابِحِ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ – تَعَالَى -: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} [سورة المائدة: 3]، خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ) الاختيار لتعليل المختار: (5/10).
قال الإمام بن رشد الحفيد المالكي رحمه الحميد جلّ وعلا:-
(أَمَّا الصِّنْفُ الَّذِي اتُّفِقَ عَلَى ذَكَاتِهِ: فَمَنْ جَمَعَ خَمْسَةَ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامَ وَالذُّكُورِيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَتَرْكَ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: (2/212).
قال الإمام النووي رحمه العلي تعالى:-
(وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ حِلّ مُنَاكَحَتِه وَتَحِلّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيّةٍ وَلَو شَارَك مَجُوسِيٌ مُسْلِمًا فِي ذَبْحِ أَواصْطِيَادِ حَرُمَ وَلَو أَرْسَلا كَلْبَيْنِ أَو سَهْمَيْنِ فإِنْ سَبَقَ آلةُ المُسْلِمِ فَقَتَلَ أَو أَنْهَاهُ إِلى حَرَكَةٍ مَذْبُوحٌ حَلّ) منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه: (1/317).
قال مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي الحنبلي رحمه الله جلّ ثناؤه :-
(وَشُرُوطُ صِحَّةِ ذَكَاةٍ عَاقِلًا لِيَصِحَّ مِنْهُ أَوْ مُمَيِّزًا فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْبَالِغِ، َوْكَانَ أُنْثَى وَلَوْ حَائِضًا، أَوْ كَانَ قِنًّا أَوْ أَقْلَفَ وَتُكْرَهُ ذَبِيحَتُهُ، وَتُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى:(6/329).
مما سبق يتبين أن تارك الصلاة جحوداً لا يحلّ أكل ذبيحته وأما تكاسلاً فتؤكل ذبيحته على رأي جمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى.
وقد بيّنت أحكام التذكية في جواب السؤال المرقم (821) فأرجو مراجعته في هذا الموقع المبارك.
والله تقدّست أسماؤه أعلم.
وصلّى تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.