20/10/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيدي الحبيب حفظكم الله تعالى ورعاكم، وجزاكم الله تعالى أنتم والعاملين على هذا الموقع المبارك، بجاه سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
سؤالي هو:-
ما حكم إمام المسجد الراتب الذي يترك التواجد في مسجده أكثر أيام الأسبوع، بحجة انه يخدم الأحباب، ومن المعلوم أن تركهُ للمسجد لا يخلو من سلبيات كثيرة على المسجد، وحالته المادية ضعيفة، مما يضطره الى اقتراض الأموال لسد حاجته من أجل الخدمة، وما رأيناه يومًا درس طالباً في مسجده.
افتونا جزاكم الله تعالى خيرا.
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
الأصل أنّ الإمام الراتب مُلزمٌ بأوقات الصلاة التي أُوكلت إليه إمامة النّاس فيها، وتركه لها بحجة خدمة الناس محلُّ نظر وفيه تفصيل.
وأمّا اقتراضُه للمال لخدمة النّاس فأمر مباح إذا كان هذا الإمام قادراً على تسديد ما اقترض.
إنّ وظيفة الإمامة في الإسلام عظيمة وشريفة، ويكفيها رفعةً أنّها وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
قال الله سبحانه:-
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة:124].
ويكفي الإمام فضلاً وشرفاً قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(ثَلاَثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ، أُرَاهُ قَالَ، يَوْمَ القِيَامَةِ: عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) الإمام الترمذي رحمه العليُّ سبحانه.
قال الشيخ ابن تيمية رحمه ربُّ البرية جلّ وعلا:-
(ويكفي الإمامة شرفاً أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها هو بنفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون وكذلك ما زال يتولاها أفاضلُ المسلمين عِلما وعَملا ولأنّ الإمامة يعتبر لها مِن صفات الكمال ولأنّ الإمامة واجبة في كل جماعة وقد روي عن داود بن أبي هند قال حدثت أنّ رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرني بعملٍ أعمله قال: “كُنْ إمام قومك قال فإنْ لم أقدِر قال: فكُن مؤذنهم) يُنظر شرح العمدة لابن تيمية: (1/136).
ولا شكّ أنّ لإمام المسجد الراتب وظائف عديدة منها ما هو شرعي ومنها ما هو اجتماعي، أما الوظائف الشرعية فتتمثل بإمامة الناس في الصلوات الخمس والتراويح وصلاة الجنازة وإلقاء خطب الجمعة والعيدين والدعوة إلى الله تعالى مِن خلال نصح الناس وإرشادهم وتوجيههم وإقامة دورات تعليم القرآن وتنظيم حلقات العلم ومجالس الذكر وإعداد الدعاة والأئمة.
وأما الوظائف الاجتماعية فكثيرة وقد لا تقل أهمية عن الوظائف الشرعية (وهي لا شك شرعية) ومِن أهمها الإصلاح بين الناس
وتفقد أحوالهم وحضور بعض مناسباتهم، كمجالس التعزية وعيادة المريض وغيرها.
قال الله تعالى:-
{لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 114].
قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ جلاله.
وهذه من صور إحياء رسالة المسجد ولمزيد معرفةٍ أرجو الاستماع الى سلسلة محاضرات (إحياء رسالة المسجد).
ووظيفة الإمام الأساسيةُ التي يتقاضى عليها راتبه تتمثل بخدمة المسجد من إمامةٍ بالصلاة وخطبة الجمعة وإعطاء الدروس والمحاضرات، نعم قد يَضطر أحياناً لترك المسجد لأجل خدمة الناس (على أن يكون له بديل)، ولكن لا ينبغي أن يترك التواجد في المسجد بصورة دائمية أو متكررة لأن هذا الترك يؤثر على المسجد بشكل كبير ويُفوّتُ مصالح جماعة المسجد ووظائِفهِ الأساسية زيادة على أنّه إخلال بوظيفته.
أما إذا كان خروجه من المسجد لا يتكرر كثيرا وبإذن الجهة المسؤولة وأَمَّن من يقوم مقامه عند الحاجة فلا حرج في ذلك أن شاء الله تعالى.
وأمّا مسألة اقتراضه الأموال بحجة خدمة الأحباب، فإنّ الأصل في القرض في حق المُقترِض هو الإباحة عند جمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى لمن علم في نفسه الوفاء، وإلا فلا يجوز له الاقتراض إنْ لم يكن مضطراً لذلك.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-
(وَالْقَرْضُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ) المغني: (4/236).
فإذا كان هذا الإمام قادراً على تسديد ما اقترض فلا حرج في ذلك.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلّى آله وصحبه أجمعين.