23/10/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيّدي حضرة الشيخ حفظكم الله ونفعنا بعلومكم في الدنيا والآخرة.
حلمت أنّ أبي قال لي إذا متّ ادفنوني مع الحقيبة البيضاء.. وبعد أنْ توفي ودفنوه نسيت أنْ أقول لهم أنْ يدفنوه مع الحقيبة البيضاء، وندمت كثيرًا أنّي لم أفعل ما طلبه مني أبي.
وبعد أنْ فتحنا الحقيبة وجدنا فيها سورة البقرة الحجم الكبير مع شيء آخر لا أتذكر ما هو ولكن كأنّه كان كتيب أذكار.
مع العلم أني كنت أقرأ سورة البقرة كاملة يوميا تقريبا لمدة خمس سنوات… ولكن مر شهران دون أن التزم بقراءتها كل يوم، وأبي متوفى من ٤ سنوات.
الاسم: سمية عبد الله محمد شريف
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
إنَّ وصيّة الميت بعد موته تنفّذ لا على سبيل الوجوب بل الاستحباب إنْ لم تكن فيها مخالفة لنصوص الشرع الشريف، ولا يترتب عليها ضرر، وإلّا فلا.
لست هنا بصدد تأويل الرؤيا لأنّي معتذر عن ذلك، لكن أبيّن بإذن الله جلّ وعلا حكم العمل بوصية الميت في المنام فأقول وبالله تعالى التوفيق:-
الأصل أنّ الرؤى لا يترتب عليها حكم شرعيّ وإنّما يستأنس بها، قال الإمام النووي رحمه الله جلّ ذكره:-
(وَلَا أَنَّهُ تَبْطُلُ بِسَبَبِهِ -أَي بِالمَنَامِ- سُنَّةٌ ثَبَتَتْ وَلَا تَثْبُتُ بِهِ سُنَّةٌ لَمْ تَثْبُتْ وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ فَنَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَيَّرُ بِسَبَبِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ) شرح النووي على مسلم (1/115).
قال الشيخ محمد علي بن حسين المكي المالكي رحمه الله تعالى:-
(لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الرُّؤْيَا التَّعْوِيل عَلَيْهَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لاِحْتِمَال الْخَطَأِ فِي التَّحَمُّل وَعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ مَا يَثْبُتُ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالنَّوْمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ لِرَجُلٍ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ يَقُول لَهُ: إِنَّ فِي الْمَحَل الْفُلاَنِيِّ رِكَازًا، اذْهَبْ فَخُذْهُ وَلَا خُمُسَ عَلَيْكَ، فَذَهَبَ وَوَجَدَهُ وَاسْتَفْتَى ذَلِكَ الرَّجُل الْعُلَمَاءَ، فَقَال لَهُ الْعِزُّ: أَخْرِجِ الْخُمُسَ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ، وَقُصَارَى رُؤْيَتِكَ الآْحَادُ، فَلِذَلِكَ لَمَّا اضْطَرَبَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ فِيمَنْ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَنَامِ فَقَال لَهُ: إِنَّ امْرَأَتَكَ طَالِقٌ ثَلاَثًا، وَهُوَ يَجْزِمُ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا لِتَعَارُضِ خَبَرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ تَحْرِيمِهَا فِي النَّوْمِ، وَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ فِي شَرِيعَتِهِ الْمُعَظَّمَةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، اسْتَظْهَرَ الأَْصْل أَنَّ إِخْبَارَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ لِتَطَرُّقِ الاِحْتِمَال لِلرَّائِي بِالْغَلَطِ فِي ضَبْطِهِ الْمِثَال قَال: فَإِذَا عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا احْتِمَال طُرُوِّ الطَّلَاقِ مَعَ الْجَهْل بِهِ، وَاحْتِمَال طُرُوِّ الْغَلَطِ فِي الْمِثَال فِي النَّوْمِ وَجَدْنَا الْغَلَطَ فِي الْمِثَال أَيْسَرَ وَأَرْجَحَ، أَمَّا ضَبْطُ عَدَمِ الطَّلَاقِ فَلَا يَخْتَل إِلَّا عَلَى النَّادِرِ مِنَ النَّاسِ، وَالْعَمَل بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَال عَنْ حَلاَلٍ: إِنَّهُ حَرَامٌ، أَوْ عَنْ حَرَامٍ: إِنَّهُ حَلاَلٌ، أَوْ عَنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، قَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَأَى فِي النَّوْمِ، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ أَخْبَارِ الْيَقَظَةِ صَحِيحَانِ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الأَْرْجَحَ بِالسَّنَدِ، أَوْ بِاللَّفْظِ، أَوْ بِفَصَاحَتِهِ، أَوْ قِلَّةِ الاِحْتِمَال فِي الْمَجَازِ أَوْ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ خَبَرُ الْيَقَظَةِ وَخَبَرُ النَّوْمِ يَخْرُجَانِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ). تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية (4/463 – 464).
لكن إذا وجدت قرينة واضحة وقوية تُرجّح العمل بمقتضى الرؤيا فلا بأس في ذلك، فقد ذكر كثير من أهل السير قصّة سيّدنا ثابت بن قيس بن شمّاس رضي الله تعالى عنه وعنكم:-
(فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ خَرَجَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَلَمَّا لَقِيَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وحُمِلَ عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفُوا، قَالَ ثَابِتٌ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ حَفَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُفْرَةً فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْقَوْمُ فَثَبَتَا يُقَاتِلَانِ حَتَّى قُتِلَا – رَحِمَهُمَا اللَّهُ- وَكَانَتْ عَلَى ثَابِتٍ دِرْعٌ لَهُ نَفِيسَةٌ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَهَا، فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ نَائِمٌ إِذْ أَتَاهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ: إِنِّي أُوْصِيْكَ بِوَصِيَّةٍ، إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ فَتُضَيِّعَهُ، إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ أَمْسَ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَ دِرْعِي وَمَنْزِلُهُ أَقْصَى الْعَسْكَرِ، وَعِنْدَ خِبَائِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، وَقَدْ كَفَأَ عَلَى الدِّرْعِ بَرْمَة، وَجَعَلَ فَوْقَ البَرْمَةِ رَحْلًا، فَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَمُرْهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى دِرْعِي فَيَأْخُذَهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُوْلَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَلِي مِنَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَفُلَانٌ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَفُلَانٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُوْلَ هَذَا حُلْمٌ فَتُضَيَّعَهُ. فَأَتَى الرَّجُلُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدَ فَأَخْبَرَهُ، فَبَعَثَ إِلَى الدِّرْعِ، فَنَظَرَ إِلَى خِبَاءٍ فِي أَقْصَى الْعَسْكَرِ فَإِذَا عِنْدَهُ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَنَظَرَ فِي الْخِبَاءِ فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَدَخَلُوا وَرَفَعُوا الرَحْلَ فَإِذَا تَحْتَهُ بَرْمَةٌ، فَرَفَعُوْهَا فَإِذَا الدِّرْعُ تَحْتَهَا، فَأَتَى بِهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيْدُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِيْنَةَ حَدَّثَ الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ بِرُؤْيَاهُ فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ جُوِّزَ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ غَيْرَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (3/418 – 419).
وقال الشيخ ابن القيّم رحمه المنعم عزّ شأنه:-
(وَصَحَّ عَنْ حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جُثَامَةَ وَعَوْفَ بْنَ مَالِكٍ كَانَا مُتَآخِيَيْنِ، قَالَ صَعْبٌ لِعَوْفٍ: أَي أَخِي أَيُّنَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَلْيَتَرَاءَا لَهُ، قَالَ: أَوَ يَكُوْنُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَاتَ صَعْبٌ فَرَآهُ عَوْفٌ فِيْمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّهُ قَدْ أَتَاهْ قَالَ: قُلْتُ: أَي أَخِي، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: مَا فُعِلَ بِكُمْ؟ قَالَ: غَفَرَ لَنَا بَعْدَ المَصَائِبِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ لَمْعَةً سَوْدَاءَ فِي عُنُقِهِ، قُلْتُ: أَي أَخِي مَا هَذَا؟ قَالَ عَشَرَةُ دَنَانِيْرَ اسْتَسْلَفْتُهَا مِنْ فُلَانٍ الْيَهُودِيّ فَهُنَّ فِي قَرْنِي فَأَعْطُوْهُ إِيَّاهَا، وَاعْلَمْ أَي أَخِي أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِي أَهْلِي حَدَثٌ بَعْدَ مَوْتِي إِلَّا قَدْ لَحِقَ بِي خَبَرُهُ حَتَّى هِرَّةٌ لَنَا مَاتَت مُنْذُ أَيَّامٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ بِنْتِي تَمُوْتُ إِلَى سِتَّة أَيَّام فَاسْتَوْصُوْا بِهَا مَعْرُوْفًا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قُلْتُ: إِنَّ فِي هَذَا لَمَعْلَمًا فَأَتَيْتُ أََهْلَهُ فَقَالُوْا: مَرْحَبًا بِعَوْفٍ أَهَكَذَا تَصْنَعُوْنَ بِتَرِكَةِ إخْوَانِكُمْ؟ لَمْ تَقْرَبْنَا مُنْذُ مَاتَ صَعْبٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ فَاعْتَلَلْتُ بِمَا يَعْتَلُّ بِهِ النَّاسُ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْقَرْنِ فَأَنْزَلْتُهُ فَانْتَثَلْتُ مَا فِيْهِ فَوَجَدْتُّ الصُّرَّةَ الَّتِي فِيهَا الدَّنَانِيْرُ فَبَعَثَتْ بِهَا إِلَى الْيَهُودِيّ فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ لَكَ عَلَى صَعْبٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: رَحِمَ اللهُ صَعْبًا كَانَ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ، هِىَ لَهُ، قُلْتُ لَتَخْبِرَنِّي، قَالَ: نَعَمْ، أَسْلَفْتُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيْر، فَنَبَذْتُهَا إِلَيْهِ، قَالَ: هِي وَاللهِ بِأَعْيَانِهَا، قَالَ: قُلْتُ هَذِهِ وَاحِدَةٌ.
قَالَ فَقُلْتُ: هَلْ حَدَثَ فِيْكُمْ حَدَثٌ بَعْدَ مَوْتِ صَعْبٍ؟ قَالُوْا: نَعَمْ، حَدَثَ فِيْنَا كَذَا حَدَث، قَالَ: قُلْتُ اذْكُرُوْا، قَالُوْا: نَعَمْ، هِرَّةٌ مَاتَتْ مُنْذُ أَيَّامٍ، فَقُلْتُ: هَاتَانِ اثْنَتَانِ.
قُلْتُ: أَيْنَ ابْنَةُ أَخِي؟ قَالُوْا: تَلْعَبُ، فَأَتَيْتُ بِهَا فَمَسَسْتُهَا فَإِذَا هِيَ مَحْمُوْمَةٌ، فَقُلْتُ اسْتَوْصُوا بِهَا مَعْرُوْفًا، فَمَاتَتْ فِي سِتَّة أَيَّامٍ.
وَهَذَا مِنْ فِقْهِ عَوْفٍ رَحِمَهُ اللهُ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَة حَيْثُ نَفَّذَ وَصِيَّة الصَّعْبِ بْنِ جُثَامَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِهِ بِالقَرَائِنِ الَّتِي أَخْبَرَهُ بِهَا) الروح (ص: 14).
ولعلّ المنام الذي رأيته فيه إرشاد لجنابك بالمواظبة على قراءة سورة البقرة المباركة؛ لأنّك تركت قراءتها منذ شهرين.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.