30/10/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخنا الجليل.

سؤالي هو:-

 يوجد حديث للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم يقول فيه:-

(لا شؤم إلا في ثلاث المرأة والفرس والدار) فهل يوجد بيت سيء وبيت جيد؟ وهل إذا اعتقدت هذا يخلُّ بالعقيدة؟ وجزاكم الله خيراً.

 

الاسم: بشير عبد الرزاق

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.

 

الجواب باختصار:-

لقد حثّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، على اختيار المرأة الصالحة، والدار الواسعة، والمركب الهنيء، وحذر بالمقابل غير الصالحةِ منها، وذلك ليجتهد المسلم في الاختيار وطلب الأفضل والأعلى والأرقى، وعليه أن يكون متفائلاً.

فلا يجوز للمسلم أنْ يكون مِن أهل الظنّ السيء لأنّ هذا مِن التشاؤم كما سأبين إنْ شاء الله تعالى في التفصيل.

 

التفصيل:-

قال الله جلّ وعلا:-

{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [سورة النساء: 77].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

لقد جاءت النصوص الشرعية في مدح المرأة الصالحة، والمركب الهنيء، والمسكن الصالح، والجار الصالح.

وذمت الشريعة الإسلامية هذه إنْ لم تكن صالحة، وجاء المدح للصفات الطيبة التي تحملها، وما يتحصل بها من نتائج؛ فذكر سيّدنا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم نتائج الصفات الطيبة بقوله:-(مِن سعادة).

كما جاء الذم للصفات الخبيثة التي تحملها، وما يتحصل بها من نتائج؛ فقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلّم نتائج الصفات الخبيثة بقوله:- (مِن شقاوة).

فتأمل ما يلي:-

(مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.

وزاد الإمام ابن حبان رحمه الله الرحمن سبحانه:-

(والجار الصالح): من السعادة، (والجار السوء): من الشقاوة.

فالأصل في الشريعة الإسلامية الفألُ الحَسن وعدم الطِّيرة وهذا مبني على قول سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ ثناؤه.

فالشؤمُ يكون لأمر عارض، وليس هو الأصل في الشريعة الإسلامية، فإذا وُجِدت هذه الصفات الذميمة يكون (الشؤم) الذي هو سوء الظن واحتمال وقوع الشر أو المكروه.

قال سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.

قال سيدنا إبراهيم لزوجة سيدنا إسماعيل عليهما الصلاة والسلام حينما اشتكت مِن سوء الحال، قال لها:-

(قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ).

وقال للأخرى التي ذكرت حسن الحال:- (فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

قال الإمام النووي رحمه الولي جلّت صفاته:-

(اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّ الدَّارَ قَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ أَوِ الْهَلَاكِ وَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ، أَوِ الْفَرَسِ أَوِ الْخَادِمِ قَدْ يَحْصُلُ الْهَلَاكُ عِنْدَهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَاهُ قَدْ يَحْصُلُ الشُّؤْمُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ إِنْ يَكُنِ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَثِيرُونَ هُوَ فِي معنى الاستثناء من الطيرة أي الطِّيَرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فَلْيُفَارِقِ الْجَمِيعَ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ وَقَالَ آخَرُونَ شُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا وَأَذَاهُمْ وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ عَدَمُ وِلَادَتِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا وَتَعَرُّضُهَا لِلرَّيْبِ) المنهاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (14/220).

 

وقال الإمام ابن حجر رحمه الله تقدّست أسماؤه:-

(قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ لِأَنَّ التَّشَاؤُمَ سُوءُ ظَنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ وَالتَّفَاؤُلُ حُسْنُ ظَنٍّ بِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ) فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري (10/215).

 

وقال الإمام ابن حجر رحمه الله ربّ البشر جلّ في علاه:-

(قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ سَمِعْتُ مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ شُؤْمُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ وَشُؤْمُ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ وَشُؤْمُ الدَّارِ جَارُ السَّوْءِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الطِّبّ عَن بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا نَاسٌ فَهَلَكُوا قَالَ الْمَازِرِيُّ فَيَحْمِلُهُ مَالِكٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ قَدَرَ اللَّهِ رُبَمَا اتَّفَقَ مَا يُكْرَهُ عِنْدَ سُكْنَى الدَّارِ فَتَصِيرُ فِي ذَلِكَ كَالسَّبَبِ فَتَسَامَحَ فِي إِضَافَة الشَّيْء إِلَيْهِ اتساعا وَقَالَ بن الْعَرَبِيِّ لَمْ يُرِدْ مَالِكٌ إِضَافَةَ الشُّؤْمِ إِلَى الدَّارِ وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَرْيِ الْعَادَةِ فِيهَا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْخُرُوجُ عَنْهَا صِيَانَةً لِاعْتِقَادِهِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالْبَاطِلِ وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَطُولُ تَعْذِيبُ الْقَلْبِ بِهَا مَعَ كَرَاهَةِ أَمْرِهَا لِمُلَازَمَتِهَا بِالسُّكْنَى والصحبية وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْإِنْسَانُ الشُّؤْمَ فِيهَا فَأَشَارَ الْحَدِيثُ إِلَى الْأَمْرِ بِفِرَاقِهَا لِيَزُولَ التَّعْذِيبُ) فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري (6/12).

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله وبارك وسلّم على سيّدنا محمّدٍ إمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين، وعلى آله وأصحابه الميامين.