1/11/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سؤالي هو:-

عن تقنية تسجيل المكالمات أنا تقني برمجة الهواتف ولدي مكتب صيانة وبرمجة، كنت ومازلت أسأل في أي شيء يخص عملي ورزقي مع الزبائن، إذا وضعت تقنية تسجيل المكالمات في هاتف الزبون مقابل مبلغ، هل هذا الثمن ورزقي منه فيه اشكال شرعي؟ الثمن مقابل هذه الخدمة يعتبر حرام؟ أنا لا أعلم فيمَ يستخدم الزبون تسجيل المكالمة، لكن احياناً الزبون يقول لي احتاج تسجيل المكالمة لمراجعة قوائم البيع مثلا أو أمور مهمة يحتاج تسجيلها.

 وما حكم بحالة إذا سألته عن غاية هذا البرنامج.

علما أن هذه التقنية قانونية مِن شركة الهاتف نفسها، لكن تحتاج عمل برمجي ووقت وأدوات واشتراكات ليست مجانية.

 

الاسم: سائل

 

 الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله تعالى خير على زيارتكم لهذا الموقع المبارك.

 

الجواب باختصار:-

نعم يحقّ لك تنصيب مثل هذه البرامج، وإنْ استعملها صاحبها على غير الوجه الشرعي، ولا حاجة لسؤالك له عَن غرض استعمالها.

 

التفصيل:-

قال الله سبحانه:-

{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [سورة الأحزاب: 58].

إنّ مِن صُورِ إيذاءِ المسلمين تسجيلَ الحديثِ في المجالس وما يحصل فيها مِن كلام بين الحاضرين، لذا حُرّم ذلك لإنّه خيانة للأمانة.

قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(إِنَّمَا يَتَجَالَسُ الْمُتَجَالِسَانِ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفْشِيَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا يَكْرَهُ) الإمام عبد الرزاق رحمه الخلّاق سبحانه.

ومِن الأمانة أنْ لا تُسجَّل مكالمة إنسان يكره نقل كلامه الى الغير، ولا سيما إذا كان فيها هتك أو افشاء سره.

فعَنْ سيدنا ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه وعنكم قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ:-

(يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) الإمام الترمذيُّ رحمه العليُّ جلّ جلاله.

وفيما يتعلق بسؤالك: فإنّ ما تتعدّد أوجه استعماله يُنْظَرُ عادةً على وجه الاستخدام نفسه ليحكم عليه، مثلاً أنْ يشتري إنسانٌ سلاحا، والسلاح تتعدد أوجه استعماله، فقد يكون للحماية مِن السّراق، أو للجهاد، أو لقتل بريء، فالحكم يلحق نوع الاستعمال.

كذلك هذه البرامج لها عدة أوجه مِن الاستخدام، فقد يكون للتجسس أو لتوريط المتكلم، أو لإثبات حقّ، أو للعمل، فالحكم يلحق مستعملها، فإنْ استعملها بالباطل أَثِم، أو في مباح لم يَأثم، وإن استعملها في إثبات حقٍّ أُجِرَ.

أمّا بائعها فليس عليه شيء لأنّ (الأصل في الأشياء الإباحة) وليس الحرمة.

ومن أدلة هذه القاعدة كما قال العلماء، قوله تعالى:-

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 29].

وقال جلّ ثناؤه:-

{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة الأنعام: 151].

 

قال الإمام السيوطي رحمه الله سبحانه:-

(الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ.

هَذَا مَذْهَبُنَا، وَعِنْد أَبِي حَنِيفَةَ: الْأَصْلُ فِيهَا التَّحْرِيمُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَيُعَضِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنْ اللَّهِ عَافِيَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

 وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» وَفِي لَفْظٍ «وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا رَحْمَةً لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا») الأشباه والنظائر:(1/60).

 

قال الأمام ابن نجيم رحمه الله جلّ في علاه:-

(الأصلُ في الأشياءِ الإباحةُ حتّى يدلَّ الدليلُ على عدمِ الإباحةِ، وهو مذهبُ الشافعيِّ رحمه الله، أو التحريمُ حتى يدلَّ الدليلُ على الإباحةِ، ونسبَه الشافعيّةُ إلى أبي حنيفةَ رحمه الله. وفي البديع المختار أن لا حكمَ للأفعالِ قبل الشرع، والحكمُ عندنا، وإن كان أزليًّا، فالمرادُ به هنا عدمُ تعلّقِه بالفعلِ قبل الشرع، فانتفى التعلّقُ لعدمِ فائدتِه) الأشباه والنظائر: (1/56).

والله عزّ وجلّ أعلم وأحكم.

وصلى الله تعالى على سيّدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.