1/11/2025

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الله يحفظكم ويديمكم سيّدي وقرّة عيني وجميع العاملين في هذا الموقع المبارك.

عفوا سيّدي سؤالي هو:-

نريد بناء مسجد في قطعة أرض صغيرة، ولكن إذا استقبلنا القبلة بالمضبوط قلّت مساحة المسجد!

فهل يجوز لنا استقبال جهة الكعبة وليس عينها؟ وما حدّ الانحراف عن القبلة المسموح به عند أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

أفتونا جزاكم الله تعالى عنا كل خير.

 

المرسل: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، ودعواتكم الطيبة، وأسال الله جلّ وعلا لكم الهدى والتّقى والسداد، إنّه سبحانه بصيرٌ بالعباد.

الجواب باختصار:-

استقبال عين الكعبة المشرفة واجب وشرط مِن شروط صحّة الصلاة لِمَنْ يُشاهدها.

أمّا البعيد عنها فيكفيه استقبال جهتها، والقدر المسموح به على الراجح مِن أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو 45 درجة يمينًا أو يسارًا عن جهة القبلة.

التفصيل:-

إنّ استقبال القبلة والتوجّه إلى عين الكعبة المشرّفة في الصلاة واجب لمَنْ كان في المسجد الحرام، وهذا باتفاق أهل العلم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم، لقول سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه الكرام:-

(الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فِي مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا مِنْ أُمَّتِي) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا.

قال الإمام شهاب الدين الحنفي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(لَا خِلَافَ فِي أنَّ حَاضِرَ الكَعْبَةِ إِنّمَا يَتَوَجّهُ إِلى عَيْنِهَا) عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي (2/252).

قال الإمام القرطبي المالكي رحمه الله عزّ شأنه:-

(وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ شَاهَدَهَا وَعَايَنَهَا فُرِضَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُهَا، وَأَنَّهُ إِنْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَهَا وَهُوَ مُعَايِنٌ لَهَا وَعَالِمٌ بِجِهَتِهَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ) تفسير القرطبي (2/160).

وقال الإمام الشافعي رحمه الله جلّ وعلا:-

(فَكُلُّ مَنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَيْتِ مِمَّنْ بِمَكَّةَ فِي مَسْجِدِهَا، أَوْ مَنْزِلٍ مِنْهَا أَوْ سَهْلٍ أَوْ جَبَلٍ فَلَا تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ حَتَّى يُصِيبَ اسْتِقْبَالَ الْبَيْتِ) الأم (1/114).

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله جلّ ذكره:-

(ثُمَّ إنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى عَيْنِهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا) المغني (1/317).

وغيرها مِن نصوص الأئمة رضي الله تعالى عنهم وعنكم الدالة على إجماعهم في ذلك.

أمّا البعيد الذي لا يَرَى الكعبة المشرّفة فقد تعدّدت مذاهب العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم في استقبال الكعبة المشرفة هل يكون لعينها أم لجهتها؟ وإليك مذاهبهم:

أوّلًا: مذهب الجمهور ومَنْ وافقهم رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم قالوا: إنّ الواجب على البعيد استقبال جهة الكعبة المشرّفة لا عينها، واستدلوا على ذلك بما يلي:-

1- قول الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة البقرة: 150].

إذ فسّروا الشطر بالجهة.

 

2- قول سيّدنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) الإمام الترمذيّ رحمه العليّ سبحانه.

واستند الجمهور بهذا الحديث الشريف على التوجّه إلى جهة الكعبة المشرّفة:-

أ- قال الإمام شهاب الدين الحنفي رحمه الله سبحانه:-

(وَإِنّمَا الخِلَافُ فِي البَعِيْدِ هَلْ يَلْزَمُهُ التّوَجُّهُ إِلى عَيْنِهَا أَوْ يَكْفِي التّوَجُّهُ إِلى جِهَتِهَا وَهُوَ المُخْتَارُ للفَتْوَى وَأَدِلَةُ كُلٍّ مِن الفَرِيْقَينِ مَبْسُوْطَةٌ فِي الفُرُوعِ، وَالمُصَنِّفُ رَ حِمَهُ الله اخْتَارَ الثّانِي وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ المَسْجِدِ دُونَ الكَعْبَةِ وَكَذا الشّطْرِ) عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي (2/252).

ب- قال الإمام القرطبي المالكي رحمه الله تعالى:-

(وَاخْتَلَفُوا هَلْ فَرْضُ الْغَائِبِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ أَوِ الْجِهَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجِهَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الْمُمْكِنُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ التَّكْلِيفُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: “فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ” يَعْنِي مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ” فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ”.

الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ احْتَجُّوا بِالصَّفِّ الطَّوِيلِ الَّذِي يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ أَضْعَافُ عَرْضِ الْبَيْتِ) تفسير القرطبي (2/160).

ج- قال الإمام ابن عبد البر الحنبلي رحمه الله سبحانه:-

(قَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ فَقَالَ هَذَا فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ إِلَّا مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ إِنْ زَالَ عَنْهُ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ فَقَدْ تَرَكَ الْقِبْلَةَ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قِبْلَةُ الْبُلْدَانِ ثُمَّ قَالَ هَذَا الْمَشْرِقُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَهَذَا الْمَغْرِبُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ قُلْتُ لَهُ فَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا جَائِزَةٌ قَالَ نَعَمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى الْوَسَطَ) الاستذكار (2/458).

 

ثانياً: مذهب الإمام الشافعي في الجديد ومَنْ وافقه من العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قالوا: الواجب على البعيد عن الكعبة المشرفة أنْ يجتهد في إصابة عينها لا جهتها، قال الإمام النووي رحمه العليّ جلّ في علاه:-

(قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ) المجموع شرح المهذب (3/208).

واستدلوا على ذلك بما يلي:-

1- قول الله جلّ ثناؤه:-

{– وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ —} [سورة البقرة: 150].

وفسّروا الشطر بقصد عين الكعبة المشرّفة، قال الإمام الشافعي رضي الله سبحانه عنه وعنكم:-

(فَفَرَضَ عَلَيهِم حَيْثُ مَا كَانُوا أنْ يُوَلُّوا وُجُوهَهُم شَطْرَهُ، وَشَطْرُهُ جِهَتُهُ فِي كَلَامِ العَرَبِ، إِذَا قُلتَ أَقْصِدُ شَطْرَ كَذَا، مَعْرٌوفٌ أَنّكَ تَقُولُ: أَقْصِدُ قَصْدَ عَينِ كَذا، يَعْنِي قَصدَ نفسِ كَذا) الرسالة (1/34).

وردّوا على حديث «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» بالقول بأنّه:-

(مَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ دَانَاهُمْ وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/133).

لكن نقلت بعض مصادرهم أنّ المعنى يعدّ عرفا أنّه متوجّه إلى عين الكعبة المشرّفة، قال الإمام زكريا الأنصاري رحمه الباري عزّ وجلّ:-

(بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ إطْلَاقَ الْجِهَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ إنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَمَّا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابِلِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لَيْسَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَهُ وَلَا إلَى جِهَتِهِ بِحَسَبِ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا بِمُسَامَحَةٍ أَوْ اصْطِلَاحٍ فَالشَّافِعِيُّ لَاحَظَ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ وَحَكَمَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ إصَابَةُ الْعَيْنِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعَدُّ عُرْفًا أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ) الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (1/277).

وأرى والله تعالى أعلم أنّه بهذا ينتفي الخلاف بينهم وبين القائلين بالتوجّه لجهة القبلة، فالظاهر أنّ الكلّ متفقٌ على التوجّه لجهة الكعبة المشرفة، وإنّما الخلاف في درجة الانحراف، كما سأوضّح بعد قليل.

 

2- عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله سبحانه عنهما، قال:-

(لمّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: هَذِهِ القِبْلَةُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وجه الدلالة:

أنّه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام لمّا خرج من البيت لم يعد يرى الكعبة المشرّفة ومع ذلك لمّا صلّى استقبل قُبُلَ الكعبة أي عينها.

 

والذي أرجّحه هو رأي الجمهور القائل بالتوجّه إلى جهة القبلة؛ لأنّ ذلك هو الأليق بروح التشريع الذي يؤكّد على التيسير ورفع الحرج، قال عزّ من قائل:-

{— وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ —} [سورة الحج: 78].

وَعَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:-

(مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ —) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

 

وأمّا بالنسبة للانحراف المسموح به فأنقل ما جمعه الدكتور صالح مبارك بعد نقله لأقوال المذاهب الأربعة حيث قال:-

(وَمِنْ خِلَالِ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اتِّجَاهَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ الْجَائِزِ نَسْتَخْلِصُ الْآتِي:

1- الِاتِّجَاهُ الْأَوَّلُ لِعَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ:

وَهُوَ اتِّجَاهُ عَيْنِ الْقِبْلَةِ، الْقَائِلِ بِوُجُوبِ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ عُرْفًا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْكَعْبَةُ مَا بَيْنَ وَسَطَيِ الْعَيْنَيْنِ، وَمِسَاحَةُ ذَلِكَ تُقَدَّرُ بِحَوَالِي (20) دَرَجَةً، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَانَ انْحِرَافًا يُعَدُّ الْمُصَلِّي خَارِجًا بِهِ عَنْ عَيْنِ الْقِبْلَةِ.

2- وَالِاتِّجَاهُ الثَّانِي لِعَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ:

الْقَائِلِينَ إِنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ بِجَمِيعِ الْوَجْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ، وَأَسْمَيْتُهُ الْجِهَةَ الْأَصْغَرَ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِحَوَالِي (35) دَرَجَةً، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَانَ انْحِرَافًا يُخْرِجُ بِهِ الْمُصَلِّي عَنْ مُقَابَلَةِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ.

3- وَالِاتِّجَاهُ الثَّالِثُ لِلْحَنَابِلَةِ:

وَهُوَ اتِّجَاهُ الْجِهَةِ الْكُبْرَى، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَأَنَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، فَقِبْلَةُ الْمُصَلِّي مَا بَيْنَ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَتَكُونُ سَعَةُ امْتِدَادِهَا نِصْفَ الدَّائِرَةِ وَمِقْدَارُهَا (180) دَرَجَةً، فَيَكُونُ (90) دَرَجَةً لِيَمِينِ الْمُصَلِّي،

وَ (90) دَرَجَةً لِشِمَالِهِ تَقْرِيبًا.

4- الِاتِّجَاهُ الرَّابِعُ:

وَهُوَ اتِّجَاهُ الْجِهَةِ الصُّغْرَى، وَهُوَ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْقِبْلَةَ تَقَعُ فِي إِحْدَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، فَحَيْثُمَا تَوَجَّهَ الْمُصَلِّي إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا الْكَعْبَةُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِـ (90) دَرَجَةً، لِكُلٍّ مِنَ الْيَمِينِ (45) دَرَجَةً، وَالْيَسَارِ (45) دَرَجَةً، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ انْحِرَافٌ عَنِ الْجِهَةِ، وَلَا يُعَدُّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْقِبْلَةِ) الانحراف عن الكعبة المشرفة ومقدار الجائز والممنوع منه ص 31-33.

 

وبالنسبة للواقعة التي أنتم فيها كما وصفت، وقد ذكر علماء الأصول رضي الله تعالى عنهم وعنكم قاعدة تقول:-

(إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ) الأشباه والنظائر للإمام السبكي (1/49)، المنثور في القواعد الفقهية للإمام الزركشي رحمهما الله جلّ ثناؤه (1/120).

لذلك أرجح الاتجاه الرابع القائل بأنّ البعيد عن البيت الحرام يجوز أنْ ينحرف عن القبلة 45 درجة يمينًا أو شمالًا، بالنسبة لكم.

أمّا مَن كانت له مساحة كبيرة فعليه أنْ يشيّد البناء إلى عين الكعبة المشرّفة، يعينه في هذا التطوّر الحاصل في كيفية إثبات جهة الكعبة الشريفة مِن خلالِ الوسائل العلمية، وهذا خروجٌ من الخلاف، وهو الأولى.

وفي الختام:

أروي عن والدي رحمه الله سبحانه في مجلس جمعه مع فضيلة الشيخ عبد القادر الخطيب رحمة الله تعالى عليه في ستينيات القرن العشرين الماضي، إذ كان إمامًا وخطيبًا في جامع سيّدنا الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه وعنكم.

فتكلّموا في هذا الموضوع مع كوكبة مِن علماء بغداد، فقالوا إنّ أكثر مساجد بغداد فيها هذا الانحراف الجائز؛ لأنّهم أخذوا بفتوى الجمهور رضي الله عزّ وجلّ عنهم وعنكم الذي ذكرتُه الآن في الإجابة.

ولذا أنصح مَنْ تشرّفَ بخدمة هذهِ المساجد أنْ لا يغيّروا تخطيط صفوف الصلاة ظنًّا منهم أنّهم يحسنون صنعًا، وإنّما يتأدبوا بفتاوى أهل العلم والفضل ممّنْ سبقوهم، فقد انعقد الإجماع على رأي الجمهور قولًا وفتوى وتطبيقًا، هذا مِن جانب.

ومِنْ جَانِب آخر صيانةً لصلاة النّاس الذين سبقوهم وإلى يومنا هذا، وعدم إثارة الجِدال بين أمّة الإسلام.

وهذا الذي أظنّه حاصلًا في كلّ بلدان الإسلام العريقة والقديمة التي تبعد عَن مكة المكرّمة.

والله تقدّست أسماؤه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.