16/12/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنكم ونفعنا بعلومكم الشريفة.
لقد استمعت إلى محاضراتكم القيّمة التي تخصّ الرؤى وذلك في سلسلة “منن الرحمن في مقام الإحسان”، فأرجو من حضرتكم ذكر ما جاء في الشرع الحنيف عن الرؤى كي نستفيد منها ونفقه هداياتها، وهل قلّة رؤيتي للرؤى الجميلة علامة على سوء حالي؟
شكرا جزيلا وجزاكم الله تعالى عنا كلّ خير.
الاسم: سائلة
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ إِنَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ.
الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ صَفْحَةٌ مِنَ الْغَيْبِ؛ ذَاكَ أَنَّ التَّغْذِيَةَ الرُّوحِيَّةَ فِي الْمَنَامِ أَقْوَى مِنْهَا حَالَ الْيَقَظَةِ؛ لِانْعِدَامِ الْمُؤَثِّرَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ كَحَدِيثِ الْفِكْرِ وَالنَّفْسِ، وَالْمُؤَثِّرَاتِ الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْحِسُّ؛ وَلِهَذَا اهْتَمَّتِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ بِصَفْحَةِ الْمَنَامِ، وَوَضَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبَعْدَهُ آدَابًا وَأَحْكَامًا، فَتَوَضَّأْ قَبْلَ أَنْ تَنَامَ، فَإِنَّ رُوحَكَ فِي الْمَلَكُوتِ تَسْبَحُ، وَبِفَيْضٍ مِنَ الْعُلُومِ وَالْأَنْوَارِ تَرْبَحُ، ثُمَّ اقْصُصْ مَا رَأَيْتَ عَلَى مُحِبٍّ صَالِحٍ، فَإِنْ صَدَّقْتَ رُؤْيَاكَ فَأَنْتَ الصَّادِقُ الرَّابِحُ.
لَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الرُّؤَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَوَاطِنَ عِدَّةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:-
{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [سُورَةُ الفَتْحِ: 27].
وَمِمَّا تَعَلَّقَ بِالرُّؤْيَا وَكَانَ لَهُ تَبِعَاتٌ فِي التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ مَا رَآهُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ ذَبْحِ وَلَدِهِ سَيِّدِنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَمَا تَبِعَ ذَلِكَ مِنْ تَشْرِيعِ نُسُكِ الرَّجْمِ فِي رُكْنِ الْحَجِّ الْمُبَارَكِ، وَأَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ:-
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [سُوْرَةُ الصَّافَاتِ: 102].
وَمِنْ هَدْيِ حَضْرَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْمَيَامِينِ، اهْتِمَامُهُ بِالرُّؤَى، كَيْفَ لَا وَقَدْ كَانَتْ عَلَاقَةُ حَضْرَتِهِ مَعَهَا قَدْ بَدَأَتْ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ مِنْ عُمُرِهِ الشَّرِيفِ، فَكَانَتِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ أَوَّلَ عَلَامَاتِ صِدْقِ نُبُوَّتِهِ وَمَبْعَثِهِ، كَمَا قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَعَنْكُمْ:-
(أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَاهْتِمَامُ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالرُّؤَى الصَّادِقَةِ لِأَنَّهَا صَفْحَةٌ غَيْبِيَّةٌ أَصْلُهَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلُهُ وَصَحْبُهُ الْأَعْلَامُ:-
(رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ جَلَالُهُ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ النُّبُوَّةَ تُجَزَّأُ إِلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَقَدْ جُعِلَتِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَاحِدًا مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ جَلَّ وَعَلَا:-
(قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوحَى إِلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا عَشْرُ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَرَى فِي الْمَنَامِ الْوَحْيَ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا قَالَ الْمَازِرِيُّ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ وَمَيَّزَ بِهِ من النبوة بجزء من ستة وأربعين … قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَنَامَ فِيهِ إِخْبَارُ الْغَيْبِ وَهُوَ إِحْدَى ثَمَرَاتِ النُّبُوَّةِ وَهُوَ لَيْسَ فِي حَدِّ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا لِيُشَرِّعَ الشَّرَائِعَ وَيُبَيِّنَ الْأَحْكَامَ وَلَا يُخْبِرُ بِغَيْبٍ أَبَدًا وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي نُبُوَّتِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِهَا وهذا الجزء من النبوة وهو الاخبار بالغيب اذا وقع لا يكون الا صدقا والله أعلم قال الخطابي هذا الْحَدِيثُ تَوْكِيدٌ لِأَمْرِ الرُّؤْيَا وَتَحْقِيقُ مَنْزِلَتِهَا وَقَالَ وَإِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي مَنَامِهِمْ كَمَا يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي الْيَقَظَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ المُنْعِم سُبْحَانَهُ (15/19-20).
وَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ مَصَادِرِ العِلْمِ لِلْإِنْسَانِ. ينظر:مَجْمَعُ الاشْتَاتِ لِسَيِّدِي حَضْرَةِ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرْشَمِيِّ طَيَّبَ اللَّهُ رُوحَهُ وَذِكْرَهُ وَثَرَاهُ، ص 29.
بَلْ هِيَ مِنْ بَقَايَا النُّبُوَّةِ الشَّرِيفَةِ، قَالَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ وَآلُهُ وَصَحْبُهُ أَجْمَعِين:-
(لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ.
وَلِأَنَّ فِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ بِشَارَةً وَنِذَارَةً، وَهُمَا مِنْ وَظَائِفِ وَصِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ، قَالَ الْحَقُّ جَلَّ فِي عُلَاهُ:-
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا —} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 119].
وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَواتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرَامِ:-
(إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، دَعْوَةِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةِ عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَكَذَلِكَ تَرَى أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ.
وَمَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ:-
الرُّؤْيَا، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ، وَالْحُلْمُ وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ.
فَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: قَالَ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنَ اللَّهِ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ.
وَقَدْ تَأْتِي الرُّؤْيَا صَرِيحَةً وَاضِحَةً، وَقَدْ تَأْتِي عَلَى هَيْئَةِ رُمُوزٍ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَمِنْ هُنَا نَشَأَ عِلْمُ التَّأْوِيلِ فِي حَضَارَةِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ وَأَصْبَحَ مَعْرُوفًا بِهِ كَابْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ.
وَالرُّمُوزُ الَّتِي تَأْتِي فِي الرُّؤْيَا لَا تُؤْخَذُ عَلَى ظَاهِرِهَا؛ بَلْ لَهَا تَأْوِيلُهَا وَتَعْبِيرُهَا الْخَاصُّ، فَمَثَلًا قَدْ يَرَى الْمَرْءُ نَفْسَهُ مَعَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ، فَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ فِي مَرْتَبَتِهِمْ، وَلَكِنَّهَا إِشَارَاتٌ وَرُمُوزٌ يَفْهَمُهَا وَيَسْتَنْبِطُ مِنْهَا أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ بِشَارَةً أَوْ نِذَارَةً أَوْ عِلْمًا مَا قَدْ يَخُصُّ الرَّائِيَ أَوْ غَيْرَهُ أَفْرَادًا أَوْ جَمَاعَاتٍ؛ فَلَا يُقَاسُ عَالَمُ النَّوْمِ عَلَى عَالَمِ الْيَقَظَةِ وَبِالْعَكْسِ؛ فَهُمَا عَالَمَانِ مُخْتَلِفَانِ تَمَامًا، وَإِلَّا كَيْفَ يُفْهَمُ مِنْ رُؤْيَا عَزِيزِ مِصْرَ بِأَنَّ الْبَقَرَاتِ السَّبْعَ هِيَ سَبْعُ سِنِينَ؛ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:-
{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [سُوْرَةُ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: 43].
أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَحَدِيثُ النَّفْسِ، وَهِيَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ لَا تَعْبِيرَ لَهَا، قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(… وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ، فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ) الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: هُوَ مَا يَقْذِفُهُ الشَّيْطَانُ فِي رَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْأَحْلَامِ؛ قَالَ النَّبِيُّ الْعَدْنَانُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ:-
(الحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا.
وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يُصْدِرَ حُكْمًا أَوْ تَأْوِيلًا لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ، فَإِذَا كَانَتْ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ فَلَا تَأْوِيلَ لَهَا، وَقَدْ هَدَانَا الشَّرْعُ الشَّرِيفُ لِلتَّعَامُلِ مَعَهَا، فَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ:-
(الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ وَعَلَا.
وَفِي النَّصِّ الْمُبَارَكِ تَوْجِيهٌ بِأَنْ يُحَدِّثَ الْمَرْءُ مَنْ يُحِبُّ بِرُؤْيَاهُ الطَّيِّبَةِ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ اللَّطِيفُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْمُنِيفِ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ نَاصِحًا وَلَدَهُ سَيِّدَنَا يُوسُفَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:-
{قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [سورة سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: 5].
ذَاكَ أَنَّ الْحَسُودَ الْمُبْغِضَ قَدْ يَتَوَجَّهُ لِصَاحِبِ الرُّؤْيَا بِالْأَذِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ أَوِ الْحِسِّيَّةِ حَسَدًا مِنْ عِنْدِهِ، وَإِشْبَاعًا لِرَغْبَةِ الْحِقْدِ فِي نَفْسِهِ.
وَالرُّؤْيَا لَا يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلِمَعْرِفَةِ مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَضْرِبُ مَثَلًا، وَخَيْرُ أَنِيسٍ فِي الْعُلُومِ مِثَالٌ:-
مَنْ رَأَى نَفْسَهُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى الْعَصْرَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ؛ فَتِلْكَ الرُّؤْيَا لَا يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَصْدِيقُ الرُّؤْيَا فِي الْفَضَائِلِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فِي إِطَارِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ فَمَثَلًا:-
مَنْ رَأَى نَفْسَهُ يَتَصَدَّقُ فِي الْمَنَامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَوْ بِشَيْءٍ بَسِيطٍ؛ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:-
{وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [سورة الصافات: 104 – 105].
وَيَنْبَغِي التَّأْكِيدُ هُنَا بِأَنَّ التَّصْدِيقَ الْمُسْتَحَبَّ يَكُونُ فِي دَائِرَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ فَالْآيَةُ الشَّرِيفَةُ أَعْلَاهُ فِيهَا هِدَايَةُ التَّصْدِيقِ وَلَا يَنْبَغِي التَّأَسِّي بِهَا مِنْ جَانِبِ نَوْعِ الْفِعْلِ؛ فَالْقَتْلُ حَرَامٌ فِي شَرِيعَتِنَا الْغَرَّاءِ، وَلَكِنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَا تَخُصُّ نَبِيًّا كَرِيمًا مِنْ أُولِي الْعَزْمِ، وَلِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ لَا مَجَالَ لِذِكْرِهَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ.
إِنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ تَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا بِشَارَةً أَوْ نِذَارَةً أَوْ عِلْمًا مَا، قَدْ يَكُونُ خَاصًّا لِصَاحِبِ الرُّؤْيَا كَمَا فِي رُؤْيَا السَّجِينَيْنِ مَعَ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ:-
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [سُوْرَةُ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: 36].
وَقَدْ تَأْتِي الرُّؤْيَا عَامَّةً تَخُصُّ جَمَاعَةً مَا، أَوْ أُمَّةً مَا، فَكَانَتْ فِي رُؤْيَا عَزِيزِ مِصْرَ هِدَايَاتٌ عَادَتْ بِالنَّفْعِ عَلَى عُمُومِ الْبِلَادِ، بَلْ إِنَّ الْعَمَلَ بِهِدَايَاتِهَا عَادَ بِالنَّفْعِ عَلَى مَا حَوْلَهَا مِنَ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى.
كَمَا إِنَّ فِي رُؤْيَا عَزِيزِ مِصْرَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ قَدْ يَمُنُّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى أَيِّ شَخْصٍ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا؛ وَفِي هَذَا رَدٌّ لِإِشْكَالِيَّةِ مَنْ يَقُولُ: كَيْفَ يَرَى فُلَانٌ رُؤْيَا طَيِّبَةً وَهُوَ إِنْسَانٌ بَسِيطٌ أَوْ جَاهِلٌ، فَقَدْ يُظْهِرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سِرَّهُ فِي أَضْعَفِ خَلْقِهِ، أَوْ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ الْوَهَّابُ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وَالسَّادَةُ الْمُرْشِدُونَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ يَعْتَنُونَ بِالرُّؤَى وَيَبُثُّونَ مَا فِيهَا مِنْ بِشَارَةٍ أَوْ نِذَارَةٍ أَوْ عِلْمٍ، وَلَا يَكْتُمُونَ ذَلِكَ عَنِ الْأُمَّةِ خِدْمَةً لَهَا وَرَحْمَةً بِهَا.
وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الرُّؤَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمَكَانَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ لِاتِّصَالِهَا بِأَنْوَارِ النُّبُوَّةِ الشَّرِيفَةِ جَاءَ التَّحْذِيرُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ مِنْ حُرْمَةِ اخْتِلَاقِهَا وَتَأْلِيفِهَا كَذِبًا وَزُورًا، رَغْبَةً فِي الْإِثَارَةِ وَالتَّشْوِيقِ، أَوِ التَّفَاخُرِ وَالتَّبَاهِي؛ قَالَ حَضْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا.
(مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ، وَمَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعْرَتَيْنِ وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنِكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ.
وَقَالَ أَيْضًا:-
(إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَا) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمُمَجَّدُ سُبْحَانَهُ.
أفرى الفِرى: أَفْرَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ أَيْ أَعْظَمُ الْكِذْبَاتِ وَالْفِرَى بِكَسْرِ الْفَاء وَالْقصر جمع فِرْيَة، والْفِرْيَةُ الْكِذْبَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا.
وَفِي السِّيرَةِ الْمُشَرَّفَةِ عَشَرَاتُ الرِّوَايَاتِ الْمُبَارَكَاتِ الَّتِي حَوَتْ ذِكْرَ تَفَاصِيلِ رُؤًى مُبَارَكَةٍ رَآهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ، وَقَدْ قَامَ حَضْرَتُهُ بِتَأْوِيلِ بَعْضِهَا.
وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلُهُ وَصَحْبُهُ الْكِرَامُ حَرِيصًا عَلَى الِاسْتِمَاعِ إِلَى مَا يَرَاهُ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُم فِي مَنَامَاتِهِمْ، وَيُكْثِرُ مِنْ سُؤَالِهِمْ – خُصُوصًا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ – عَمَّا رَأَوْهُ ثُمَّ يَقُومُ بِتَأْوِيلِهَا.
وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُشَرَّفَةُ فِي بَابِ التَّشْرِيعِ اسْتِنَادًا إِلَى الرُّؤَى الصَّادِقَةِ: تَشْرِيعُ الْأَذَانِ، فَمَا كَانَ الْأَذَانُ إِلَّا رُؤْيَا مُبَارَكَةً رَآهَا سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ حَيْثُ قَالَ:-
(لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ فِي الْجَمْعِ لِلصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: تَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، قَالَ: فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي أُرِيَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُمُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ.
وَمَرَّةً أُخْرَى تَأْتِي الرُّؤْيَا بِهِدَايَاتٍ وَعُلُومٍ لَا تَخُصُّ صَاحِبَهَا فَقَطْ بَلْ جَاءَتْ لِهِدَايَةِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ تَبْقَى بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ تَرْفَعُ هَذَا الْأَذَانَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُشَرِّعُ مَا يُرِيدُ كَمَا يُرِيدُ، وَلَعَلَّ فِي الرُّؤْيَا إِظْهَارًا لِفَضْلِ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ الْجَلِيلَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَإِثْبَاتًا لِلْخَيْرِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُوَافِقُ الْوَحْيَ، وَإِنَّ فِيهِمْ أَصْحَابَ رُؤًى صَادِقَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ وَطِيبِ قُلُوبِهِمْ، قَالَ حَضْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ وَعَلَا.
وَهَكَذَا تَبْقَى هَذِهِ الصَّفْحَةُ الْغَيْبِيَّةُ آيَةً قَائِمَةً يَنْتَفِعُ مِنْهَا مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْهِدَايَةَ وَالنَّفْعَ، وَبِالْعَكْسِ فَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِفِتْنَةِ مَنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ فَمَا تَزِيدُهُ تِلْكَ الْهِدَايَاتُ إِلَّا نُفُورًا، وَلَا يَرُدُّ الرُّؤَى الصَّادِقَةَ إِلَّا أَهْلُ الطُّغْيَانِ وَالْجُحُودِ وَالْعِنَادِ، فَكَمَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ الْوَعِيدُ وَالتَّحْذِيرُ لِمَنِ ادَّعَى رُؤْيَةَ شَيْءٍ فِي الْمَنَامِ كَذِبًا وَزُورًا يَنْسَابُ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ وَالْوَعِيدُ لِمَنْ كَذَّبَ صَادِقًا فِي رُؤْيَاهُ، أَوْ تَجَاهَلَ رُؤْيَا صَادِقَةً حَمَلَتْ لَهُ تَخْوِيفًا وَإِنْذَارًا أَوْ عِلْمًا نَافِعًا.
قَالَ اللَّهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ:-
{— وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} [سُوْرَةُ الإِسْرَاء: 60].
قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الشَّجَرَةَ الْوَارِدَ ذِكْرُهَا فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:-
{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [سُوْرَةُ الدُّخَان: 43 – 46].
وَهِيَ شَجَرَةٌ مَلْعُونَةٌ؛ لِأَنَّ طَعَامَهَا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، بَلْ هُوَ طَعَامٌ كَرِيهٌ فِيهِ كُلُّ أَنْوَاعِ الْأَذَى؛ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعَامٍ مَكْرُوهٍ مَلْعُونٌ – نَعُوذُ بِاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ-.
وَاتِّبَاعًا لِهَدْيِ الْحَبِيبِ الْأَعْظَمِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِنَايَةِ بِالرُّؤَى فَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ بَابًا خَاصًّا لِاسْتِقْبَالِ الرُّؤَى وَالتَّشَرُّفِ بِتَأْوِيلِهَا، وَلَكِنْ لِتَعَدُّدِ الْوَاجِبَاتِ وَالْأَشْغَالِ، وَلِتَقَدُّمِ الْعُمْرِ، وَالْوَضْعِ الصِّحِّيِّ، وَلِكَثْرَةِ الرَّسَائِلِ الَّتِي فِيهَا الرُّؤَى، اعْتَذَرْتُ عَنْ تَأْوِيلِهَا فِي الْمَوْقِعِ الْكَرِيمِ.
وَالنَّاسُ فِي الرُّؤَى الصَّادِقَةِ مُتَفَاوِتُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَكْثُرُ عِنْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَقِلُّ فَلَا يَرَاهَا إِلَّا نَادِرًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا مِنْ فَضْلٍ وَخُصُوصِيَّةٍ لِلْأَوَّلِ عَلَى نَحْوٍ ثَابِتٍ وَمُطَّرِدٍ، وَالصَّالِحَةُ مُؤَشِّرٌ طَيِّبٌ لِصَاحِبِهَا، وَلَكِنْ مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ كُلِّيًّا فَعَلَيْهِ مُرَاجَعَةُ نَفْسِهِ فَلَعَلَّهُ قَدْ أُصِيبَ بِدَاءِ الْغَفْلَةِ، وَهِيَ مُصِيبَةٌ دَهْمَاءُ تَحْجُبُ الْأَرْوَاحَ عَنِ التَّحْلِيقِ فِي فَضَاءِ عَالَمِ الْغَيْبِ الْفَسِيحِ لِتَنَالَ فُيُوضَاتِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ، وَلِهَذَا فَلِلنَّوْمِ آدَابٌ وَأَحْكَامٌ؛ فَيُسَنُّ الْوُضُوءُ، وَنَفْضُ الْفِرَاشِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَالِاضْطِجَاعُ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ، وَقِرَاءَةُ الْأَوْرَادِ الْمَأْثُورَةِ مِثْلَ: آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَدُعَاءِ النَّوْمِ الْمَشْهُورِ الَّذِي وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ قَالَ: قَالَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لاَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ البَارِي سُبْحَانَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَقِيدُ نَكْتَلُ كَشْمُولَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمُبَارَكِ النَّجْمِ الزَّاهِرِ مَا يَلِي:-
(فَأَمَّا مَا تَوَاطَأَتْ عِندَ الْمُؤْمِنِينَ، فَظَاهِرَةُ رُؤْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رُؤًى كَفَلَقِ الصُّبْحِ، يَأْمُرُ فِيهَا الرَّائِيَ بِالذَّهَابِ إِلَى الشَّيْخِ مُصْطَفَى وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ.
وَالظَّاهِرَةُ هِيَ هِيَ، وَأَصْحَابُهَا مُؤْمِنُونَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِ الْحَيَاةِ؛ فِيهِمْ عَالِمُ الدِّينِ الْمُخْتَصُّ، وَالطَّبِيبُ، وَالْمُهَنْدِسُ، وَمِهَنِيُّونَ آخَرُونَ، وَفِيهِمُ الْمُثَقَّفُونَ وَطُلَّابُ الْجَامِعَاتِ وَالْكَسَبَةُ.
وَفِيهِمْ مَنْ سَمِعُوا بِالشَّيْخِ عَنْ بُعْدٍ، فَدَفَعَتْهُمُ النَّفْسُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ مُنْكِرِي مَسْلَكِهِ قَبْلَ الرُّؤْيَا، وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِالشَّيْخِ قَطُّ قَبْلَ رُؤْيَاهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ الإِشَارَةَ النَّبَوِيَّةَ الْهَادِيَةَ الصَّادِقَةَ حِينَ تَتَوَجَّهُ فِي الرُّؤْيَا إِلَى الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ سَمِعَ بِالشَّيْخِ وَمَكَانَتِهِ، فَإِنَّهَا تَذْكُرُ لَهُ اسْمَ الشَّيْخِ، وَوَطَنَهُ الْعِرَاقَ، وَبَلْدَتَهُ أَرْبِيلَ.
وَإِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ غَيْرِ الْمَسْبُوقِينَ عُلَمَاءَ، وَرَدُوا مِنْ دُوَلٍ أُخْرَى قَرِيبَةٍ وَبَعِيدَةٍ.
مِنْهُمْ الشَّيْخُ مُشَرِّفٌ، الَّذِي سَبَقَ لَنَا ذِكْرُهُ الطَّيِّبُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَجَازِي الشَّيْخِ الإِمَامِ إِجَازَةً خَاصَّةً.
وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَلِيٌّ مِنْ جُزُرِ الْقَمَرِ، الَّذِي قَدِمَ جَوًّا إِلَى الْعِرَاقِ لِزِيَارَةِ الشَّيْخِ خَاصَّةً، فَرَوَى مَا رَآهُ فِي مَنَامِهِ، وَقَالَ:
وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَاكَمَتِي عَنْ ذَنْبٍ اقْتَرَفْتُهُ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا بِأَنْبِيَاءِ اللهِ تَعَالَى: سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدِنَا عِيسَى، وَسَيِّدِنَا يُونُسَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ – وَمَعَهُمُ الشَّيْخُ، حَاضِرِينَ مَجْلِسَ الْمُحَاكَمَةِ.
فَحُكِمَ عَلَيَّ بِالنَّارِ، فَخَاطَبَنِي نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْحَاضِرِينَ – لَا أَذْكُرُ أَيَّ ذَوَاتِهِمُ الشَّرِيفَةِ – قَائِلًا: هَذَا الشَّيْخُ مُصْطَفَى مِنَ الْعِرَاقِ، ارْجُهُ لِيَسْتَغْفِرَ لَكَ اللهُ تَعَالَى.
فَاسْتَغْفَرَ لِي، فَعُفِيَ عَنِّي، وَالآنَ جِئْتُ تَائِبًا لِأَسْلُكَ عَلَى يَدَيْهِ.
فَتَقَبَّلَهُ الشَّيْخُ قَبُولًا حَسَنًا) النَّجْمُ الزَّاهِرُ ص109.
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ بَابِ تَأْوِيلِ الرُّؤَى، كَذَا سَمَاعَ الْمُحَاضَرَاتِ الْخَاصَّةِ بِالرُّؤَى فِي سِلْسِلَةِ (مِنَنِ الرَّحْمَنِ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ) (اِسْتَثْمِرُوا صَفْحَةَ النَّوْمِ) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ.
وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.