23/1/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله تعالى خير الجزاء سيدي وسندي على هذا الموقع المبارك
سيدي الفاضل في الفترة الأخيرة انتشر إن استخدام الأحجار الكريمة في المجوهرات تزيد من الطاقة وتعمل على جعل مزاج المرأة متوازن فما هو حكم الشرع الشريف في هذا الموضوع وجزاكم الله خير الجزاء
الاسم: ام محمد
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَجْزِيَكَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَيَرْزُقَكَ رِضَاهُ، وَيُجَمِّلَكَ بِتَقْوَاهُ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرُدُّ مَنْ دَعَاهُ وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ.
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَخَّرَ لِلْإِنْسَانِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمِمَّا سَخَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هِيَ الْأَحْجَارُ الْكَرِيمَةُ وَالَّتِي هِيَ فِي الْأَصْلِ لِلزِّينَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهَا مَنَافِعُ كَالتَّأْثِيرِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِطَرِيقَةٍ مَا، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَحْجَارُ كَغَيْرِهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَا تَعْدُو كَوْنَهَا أَسْبَابًا تُؤَثِّرُ بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ.
قَالَ تَعَالَى:-
{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 12-13].
قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعَلِيُّ جَلَّ ذِكْرُهُ:-
(ذَكَرَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَتَمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِمَنَافِعِهِمْ. {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُ} يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُهُ وَخَلْقُهُ وَإِحْسَانٌ مِنْهُ وَإِنْعَامٌ) الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ (16/160).
وَلَا شَكَّ أَنَّ مِمَّا سَخَّرَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْإِنْسَانِ هِيَ الْأَحْجَارُ الْكَرِيمَةُ وَالنَّفِيسَةُ وَالَّتِي هِيَ أَحْجَارٌ نَادِرَةٌ غَالِيَةُ الثَّمَنِ، لَهَا أَلْوَانٌ تَبْلُغُ مِنَ الْجَمَالِ وَاللَّمَعَانِ حَدًّا يُؤَهِّلُهَا لِأَنْ تَكُونَ حُلِيًّا، وَمِنْهَا: الْمَاسُ، الْيَاقُوتُ، الزُّمُرُّدُ وَغَيْرُهَا. يُنْظَر مُعْجَمُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ (1/446).
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بَعْضًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْكَرِيمَةِ وَالنَّفِيسَةِ فِي عَدَدٍ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ:
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-
{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 14].
وقَالَ سُبْحَانَهُ:-
{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [سُورَةُ الرَّحْمَٰنِ: 22].
وَقَالَ أَيْضًا:-
{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 21].
وَذُكِرَ بَعْضُهَا فِي أَحَادِيثِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-.
فَعَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ- قَالَ:-
(قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وَزَهِدْنَا فِي الدُّنْيَا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ فَآنَسْنَا أَهَالِينَا، وَشَمَمْنَا أَوْلَادَنَا أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ كَيْ يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: مِنَ الْمَاءِ، قُلْتُ: الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ثُمَّ قَالَ: ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَالْأَحْجَارُ الْكَرِيمَةُ فِي شَرْعِ الْإِسْلَامِ هِيَ مِنَ الزِّينَةِ الْمُبَاحَةِ.
قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:-
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 32].
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ -رَحِمَهُمْ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ جَلَّ ذِكْرُهُ- عَلَى جَوَازِ تَحَلِّي الْمَرْأَةِ بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالذَّهَبِ.
فَعَنِ التَّابِعِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ الْغَافِقِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا- قَالَ:- سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ- يَقُولُ:-
(أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرِيرًا بِشِمَالِهِ، وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ) الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ اسْمُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ:-
(وَفِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْحُلِيِّ فَالذَّهَبُ أَصْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَعَلَى الْإِبَاحَةِ لِلنِّسَاءِ وَيُسْتَثْنَى عَنِ التَّحْرِيمِ عَلَى الرِّجَالِ مَوْضِعَانِ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ وَإِنْ أَمْكَنَهُ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَفِي مَعْنَى الْأَنْفِ السِّنُّ وَالْأُنْمُلَةُ فَيَجُوزُ اتِّخَاذُهُمَا ذَهَبًا بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ أَوْ يَدُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ…. أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ جَمِيعًا كَالطَّوْقِ وَالْعِقْدِ وَالْخَاتَمِ وَالسِّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالتَّعَاوِيذِ وَالدَّمَالِجِ وَالْقَلَائِدِ وَالْمَخَانِقِ وَكُلِّ مَا يُتَّخَذُ فِي الْعُنُقِ وَغَيْرِهِ وَكُلِّ مَا يَعْتَدْنَ لُبْسَهُ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا) الْمَجْمُوعُ (6/38-40).
وَقَدْ يَكُونُ لِلْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ تَأْثِيرٌ إِذَا كَانَ لَهَا شَكْلٌ مُتَنَاسِقٌ وَلَوْنٌ جَمِيلٌ بَرَّاقٌ يُحَسِّنُ مِزَاجَ الْإِنْسَانِ، وَهَذَا التَّأْثِيرُ طَبِيعِيٌّ بَلْ وَفِطْرِيٌّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا جَمِيلًا كَزَهْرَةٍ أَوْ حَجَرًا كَرِيمًا يَتَأَثَّرُ مِزَاجُهُ فَتَرَاهُ مَثَلًا يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذِهِ الزَّهْرَةَ أَوْ هَذَا الْحَجَرَ أَحْدَثَ تَأْثِيرًا عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ مُرْتَبِطًا بِالثَّقَافَةِ وَبِقِيمَةِ هَذَا الْحَجَرِ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ انْبِعَاثِ بَعْضِ الْأَشِعَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى طَاقَةِ الْإِنْسَانِ وَمِزَاجِهِ (كَمَا يَعْتَقِدُ الْبَعْضُ) فَهَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتٍ، وَقَدْ يَتَوَصَّلُ الْعِلْمُ يَوْمًا مَا إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْأَمْرِ، وَلَا مَانِعَ شَرْعِيَّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أَثْبَتَتِ الدِّرَاسَاتُ الْعِلْمِيَّةُ مَثَلًا أَنَّ الذَّهَبَ يَتَفَاعَلُ مَعَ جِسْمِ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ حَيْثُ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عَلَى كُرَيَّاتِ الدَّمِ الْحَمْرَاءِ مِمَّا يُقَلِّلُ مِنْ أَعْدَادِهَا، بَلْ أَشَارَتْ بَعْضُهَا إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ لِجُزَيْئَاتِ الذَّهَبِ أَنْ تَتَسَلَّلَ عَبْرَ الْجِلْدِ وَتَدْخُلَ إِلَى مَجْرَى الدَّمِ وَتَتَرَاكَمَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى بَعْضِ وَظَائِفِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ الدِّرَاسَاتِ الْعِلْمِيَّةِ ذَكَرَتْ أَنَّ الذَّهَبَ لَهُ تَأْثِيرٌ عَلَى الْحِمْضِ النَّوَوِيِّ لِلرَّجُلِ وَقَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْعُقْمِ.
وَأَمَّا مَا يُشَاعُ مِنْ قُدْرَتِهَا لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرٍّ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي النُّصُوصِ الشَّرِيفَةِ، بَلْ وَقَدْ يَسْتَغِلُّ الْبَعْضُ التَّرْوِيجَ لِهَذَا الْأَمْرِ بِهَدَفِ رَفْعِ أَسْعَارِهَا.
وَالشَّرْعُ الْحَنِيفُ وَجَّهَ الْمُسْلِمَ إِلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ.
فَعَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُمْ، قَاَلَ:-
كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ:-
(يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ تَبَارَكَ اسْمُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ:-
(فَاسْأَلِ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَإِنَّ خَزَائِنَ الْعَطَايَا عِنْدَهُ وَمَفَاتِيحَ الْمَوَاهِبِ وَالْمَزَايَا بِيَدِهِ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ أَوْ نِقْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ أُخْرَوِيَّةٍ، فَإِنَّهَا تَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ أَوْ تَنْدَفِعُ عَنْهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ شَائِبَةِ عَرَضٍ وَلَا ضَمِيمَةِ عِلَّةٍ ; لِأَنَّهُ الْجَوَّادُ الْمُطْلَقُ وَالْغَنِيُّ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْجَى إِلَّا رَحْمَتُهُ، وَلَا يُخْشَى إِلَّا نِقْمَتُهُ، وَيُلْتَجَأَ فِي عَظَائِمِ الْمَهَامِّ إِلَيْهِ، وَيُعْتَمَدَ فِي جُمْهُورِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْأَلَ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَلَا يُتْرَكَ السُّؤَالُ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْمَقَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ أَيْ: أَرَدْتَ الِاسْتِعَانَةَ فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ: فَإِنَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. وَاعْلَمْ: زِيَادَةُ حَثٍّ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَالتَّقَرُّبِ بِالِاسْتِفَادَةِ لَدَيْهِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَيْ: جَمِيعَ الْخَلْقِ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَسَائِرِ الْأُمَّةِ لَوْ اجْتَمَعَتْ أَيِ: اتَّفَقَتْ فَرْضًا وَتَقْدِيرًا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ أَيْ: فِي أَمْرِ دِينِكَ أَوْ لَمْ يَنْفَعُوكَ أَيْ: لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ أَيْ: قَدَّرَهُ، وَأَثْبَتَهُ فِي الذِّكْرِ وَفَرَغَ مِنْهُ، وَقَدْ آذَنَهُمْ فِي ذَلِكَ) مِرْقَاةُ الْمَفَاتِيحِ (8/3323).
وَاللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.