31/1/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيدي رضي الله تعالى عنكم وعنا بكم، وجعلكم خيمة علينا في الدنيا والآخرة.

 

عفوا سيدي انتشر في وقتنا الحاضر أن بعض الأشخاص ينشرون مقاطع مرئية على منصات التواصل الاجتماعي، مثل تطبيق (تيك توك)، ويقوم المتابعون لهم بإرسال ما يسمونه (الدعم)، وبعدها يعطي القائمون على تلك القنوات مالاً لأصحاب هذا النشر، فما حكم أخذ هذا المال وجزاكم الله خيرًا.

 

الاسم: أحمد خضير

 

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَبِرًّا، وَأَشْكُرُكَ عَلَى دَعَوَاتِكَ، وَحُسْنِ ظَنِّكَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا لَكَ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

مَا أَرَاهُ إِلَّا أَخْذَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالْإِثْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّعْمُ لِمُحْتَاجٍ أَوْ مَرِيضٍ.

التَّفْصِيلُ:-

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

وَبَعْدُ:

فَإِنَّ مَا يُعْرَفُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ بِـ “الدَّعْمِ الْمَالِيِّ” لِمَشَاهِيرِ تَطْبِيقِ (تِّيكْ تُوكْ) وَنَحْوِهِ مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالَّذِي يَقُومُ فِيهِ الْمُتَابِعُونَ بِإِرْسَالِ مَا يُسَمَّى بِالْهَدَايَا أَوِ الرُّمُوزِ الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى أَمْوَالٍ تُودَعُ فِي حِسَابَاتِ أَصْحَابِ الْبَثِّ، لَا يَخْلُو مِنَ الْمَحَاذِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيُعَدُّ فِي أَغْلَبِ صُوَرِهِ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ أَوْ بِالْإِثْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّعْمُ مُوَجَّهًا لِمُحْتَاجٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ صَاحِبِ فَاقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ يُتَحَقَّقُ مِنْ صِدْقِهِ.

أَوَّلًا: إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَسْبِ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقٍ مَشْرُوعٍ، وَأَنْ يُنْفَقَ الْمَالُ فِي وُجُوهِ الْحَلَالِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

فَقَالَ سُبْحَانَهُ:-

 {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 188].

وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ-:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سُورَةُ النّسَاءِ: 29].

فَالْكَسْبُ الْمَشْرُوعُ هُوَ مَا كَانَ فِي تِجَارَةٍ أَوْ عَمَلٍ مُبَاحٍ قَائِمٍ عَلَى التَّرَاضِي، أَمَّا أَخْذُ الْأَمْوَالِ مُقَابِلَ بَثٍّ لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ إِسْفَافٌ وَتَمْيِيعٌ أَوْ مُحَرَّمَاتٌ ظَاهِرَةٌ، فَلَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ الْمُبَاحَةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ يَدْخُلُ فِي صُوَرِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.

ثَانِيًا: مَا يَجْرِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمِنَصَّاتِ مِنْ جَمْعِ أَمْوَالٍ طَائِلَةٍ تَحْتَ غِطَاءِ “الدَّعْمِ” أَوِ “التَّفَاعُلِ” لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنَ الرِّيَاءِ وَطَلَبِ الشُّهْرَةِ، سَوَاءٌ مِنْ جِهَةِ الدَّافِعِ أَوِ الْآخِذِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِخْلَاصٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ إِبْطَالِ الصَّدَقَاتِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى أَوْ بِالرِّيَاءِ، فَقَالَ:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 264].

ثَالِثًا: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْإِعَانَةَ عَلَى حَاجَةٍ مَشْرُوعَةٍ، كَدَعْمِ الْمَرِيضِ، أَوِ الْفَقِيرِ، أَوِ مَنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَوْ دَيْنٌ ثَقِيلٌ، بِشَرْطِ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَصِدْقِ الطَّلَبِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الصَّحَابِي الجَلِيْلِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُم قَالَ:-

(تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ” يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ – أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ – وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ – أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ – فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ المُنعِمُ جَلَّ شَأنُهُ.

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-

(قَوْلُهُ (تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهِيَ الْمَالُ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعُهُ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ كَالْإِصْلَاحٍ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَدِينَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى تُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ الْقِوَامُ وَالسِّدَادُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالسِّينِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ مَا يُغْنِي مِنَ الشَّيْءِ وَمَا تُسَدُّ بِهِ الْحَاجَةُ وَكُلُّ شَيْءٍ سَدَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ سِدَادٌ بِالْكَسْرِ وَمِنْهُ سِدَادُ الثَّغْرِ وَالْقَارُورَةِ وَقَوْلُهُمْ سِدَادٌ مِنْ عَوَزٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ يَقُومَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ يَقُومُونَ بِهَذَا الْأَمْرِ فَيَقُولُونَ لَقَدْ أصابته فاقة والحِجَى مَقْصُورٌ وَهُوَ الْعَقْلُ وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْمِهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِبَاطِنِهِ وَالْمَالُ مِمَّا يَخْفَى فِي الْعَادَةِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِصَاحِبِهِ وانما شرط الحِجى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ التَّيَقُّظُ فَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُغَفَّلٍ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الثَّلَاثَةِ فقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ شَرْطٌ فِي بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ يُقْبَلُ مِنْ عَدْلَيْنِ كَسَائِرِ الشهادات غير الزنى وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهِ وَالْإِعْسَارِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْمَالِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ سُحْتًا وَرِوَايَةُ غَيْرِ مُسْلِمٍ سُحْتٌ وَهَذَا وَاضِحٌ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَيْ أَعْتَقِدُهُ سُحْتًا أَوْ يؤكل سحتا) الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ (7/133).

فَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي بَيَانِ أَنَّ السُّؤَالَ أَوْ جَمْعَ الْمَالِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ مُحَرَّمٌ.

وَعَلَيْهِ:

فَإِنَّ “الدَّعْمَ الْمَالِيَّ” لِمَشَاهِيرِ (التِّيكْ تُوكْ) لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ لِمُجَرَّدِ التَّسْلِيَةِ، أَوِ الْإِعْجَابِ، أَوِ الشُّهْرَةِ، أَوِ لِمُحْتَوًى لَا نَفْعَ فِيهِ أَوْ يَشْتَمِلُ عَلَى مُنْكَرٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ دَعْمًا صَادِقًا لِمُحْتَاجٍ ثَبَتَتْ حَاجَتُهُ، فَهُوَ جَائِزٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.

وَاللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.