6/2/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كيف حالكم شيخي العزيز أدعو الله تبارك و تعالى أن يحفظك من كل مرض وأن يعطيك الصحة و العافية وأن يبارك في عمرك و أن ينفعنا ببركاتك بجاه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم 🤍

شيخي العزيز إني شخص استحي من كل شي يعني حتى مرات من اروح لمكان استحي اتكلم حتى لو كان الموضوع يخصني أو اذا كنت في مجلس أستحي أن أتكلم لا أعرف ماذا أفعل ولا أعرف كيف اكون فصيح اللسان و اتكلم بدون خوف أو مستحى لأن هذا الحالة تمنعني من اشياء كثيرة و حتى استحي أن أجاوب الدكتور الذي يطرح سؤالاً في الجامعة أمام الطلاب حتى لو كنت اعرف الجواب لان أخاف أن يكون الجواب خطأ.

 اريد حل لهذا المشكلة شيخي العزيز ما عرف شلون اتخلص من هذه العادة.

 اسف على ازعاجك شيخي العزيز 🤍 ربي يحفظك 🤍

 

الاسم: سائل

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

أَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يَجْزِيَكَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَيَرْزُقَكَ رِضَاهُ، وَيُجَمِّلَكَ بِتَقْوَاهُ، وَيَحُلَّ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِكَ، وَيَشْرَحَ صَدْرَكَ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرُدُّ مَنْ دَعَاهُ، وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

الْأَصْلُ فِي الْحَيَاءِ أَنَّهُ خَيْرٌ كُلُّهُ وَشُعْبَةٌ مِّنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ مَا تَشْتَكِي مِّنْهُ يَا وَلَدِي لَيْسَ مِّنَ الْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَضَعْفٌ يُلَبِّسُهُ الشَّيْطَانُ لَبُوسَ الْحَيَاءِ، وَالْمَطْلُوبُ مِّنْكَ لَيْسَ تَرْكَ الْحَيَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلِ الِاقْتِصَادُ فِيهِ، بِوَضْعِ الْحَيَاءِ فِي مَوَاضِعِ الْمَعَاصِي، وَوَضْعِ الْجُرْأَةِ فِي مَوَاضِعِ الْحَقِّ وَالتَّعَلُّمِ وَالطَّاعَةِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

اعْلَمْ يَا وَلَدِي أَنَّ مُعَالَجَةَ هَذِهِ الْحَالِ تَتَطَلَّبُ فِقْهًا لِلنَّفْسِ وَفَهْمًا لِلنَّصِّ، وَإِلَيْكَ مَفَاهِيمُ يَجِبُ أَنْ تَتَعَرَّفَ عَلَيْهَا:-

 

أَوَّلًا:- فَضْلُ الْحَيَاءِ وَمَكَانَتُهُ فِي الدِّينِ:

يَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ ابْتِدَاءً أَنَّ الْحَيَاءَ خُلُقٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ سِمَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَكَ انْزِعَاجُكَ مِّنَ “الْخَجَلِ الِاجْتِمَاعِيِّ” الَّذِي تَذْكُرُهُ عَلَى كَرَاهِيَةِ “الْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ”، فَقَدْ تَضَافَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى مَدْحِ الْحَيَاءِ وَالْإِشَادَةِ بِأَهْلِهِ، وَمِنْهَا:-

 

1- أَنَّهُ قَرِينُ الْإِيمَانِ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمَا وَعَنْكُم – قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ صَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ) الْإِمَامُ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ الْمَوْلَى الدَّائِمُ جَلَّ فِي عُلَاهُ.

2- أَنَّ الْحَيَاءَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِّنْ تَكْوِينِ الْمُؤْمِنِ، فَعَنْ الصَّحَابِيِ الجَلِيلِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنكُم- قَالَ: قَالَ سيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ صَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِّنَ الْإِيمَانِ) الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا.

3- أَنَّ الْحَيَاءَ بَابٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَعَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ – رَضِيَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَنْهُمَا وَعَنْكُم – قَالَ:

قَالَ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرَام:-

(الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) الإِمَامُ مُسْلِم رَحِمَهُ المُنْعِمُ سُبْحَانَهُ.

 

ثَانِيًا:- تَشْخِيصُ حَالَتِكَ:

إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي سُؤَالِكُمُ الْكَرِيمِ قَدْ يَكُونُ مِّنْ بَابِ الْعَجْزِ لَا مِّنْ بَابِ الْحَيَاءِ: وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ أَخْبَرَ أَنَّ (الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ)، وَأَنَّ حَالَتَكَ (تَمْنَعُكَ مِّنَ الْخَيْرِ) فِي الدِّرَاسَةِ وَالتَّوَاصُلِ مَعَ النَّاسِ، فَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ مَا تَشْعُرُ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْحَيَاءَ الْمَقْصُودَ شَرْعًا، بَلْ هُوَ “خَوَرٌ وَعَجْزٌ”، وَإِلَيْكَ بَعْضُ أَقْوَالِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ:-

 

1- يَقُولُ الْعَلَّامَةُ فَضْلُ اللَّهِ الْجِيلَانِيُّ رَحِمَهُ الله عَزَّ اسْمُهُ فِي كِتَابِهِ (فَضْلُ اللَّهِ الصَّمَدِ) فِي شَرْحٍ دَقِيقٍ لِهَذِهِ الْحَالَةِ:-

(فَإِنْ قِيلَ إِنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يَسْتَحْيِي أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ، فَيَتْرُكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ… فَأَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوَرٌ وَمَهَانَةٌ، وَإِنَّمَا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ حَيَاءً تَشْبِيهًا وَمَجَازًا) انْظُرْ: فَضْلُ اللَّهِ الصَّمَدِ (2/ 691، 692).

2- إِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ النَّاسِ لَا يُسْقِطُ حَقًّا وَلَا يَمْنَعُ عِلْمًا، وَقَدْ مَدَحَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَعَنْكُم نِسَاءَ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُنَّ فَرَّقْنَ بَيْنَ الْحَيَاءِ وَبَيْنَ التَّعَلُّمِ، فَقَالَتْ:-

(نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ) الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ البَاري جَلَّ ذِكْرُهُ.

فَعَدَمُ سُؤَالِكَ لِلدُّكْتُورِ فِي الْجَامِعَةِ خَوْفًا مِّنَ الْخَطَأِ هُوَ حِرْمَانٌ مِّنَ الْعِلْمِ وَلَيْسَ أَدَبًا.

3- وَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بَيَّنَ أَنَّ الْحَيَاءَ يُتْرَكُ عِنْدَ بَيَانِ الْحَقَائِقِ أَوْ دَفْعِ الْأَذَى، فَقَالَ تَعَالَى:-

{إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِّنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 53].

 

ثَالِثًا:- الْعِلَاجُ الَّذِي يَنْبَغِي هُوَ “الِاقْتِصَادُ” وَالتَّوَازُنُ لَا الِانْسِلَاخُ مِنَ الْحَيَاءِ:

نَحْنُ لَا نُرِيدُ مِّنْكَ يَا بُنَيَّ أَنْ تَنْقَلِبَ مِّنَ “الْخَجَلِ الْمُفْرِطِ” إِلَى “الْوَقَاحَةِ” أَوْ “الْبَذَاءَةِ”، بَلْ نُرِيدُ “الِاقْتِصَادَ” (أَيْ التَّوَسُّطَ)، بِأَنْ تَضَعَ الْحَيَاءَ فِي مَوْضِعِهِ (تَرْكِ الْقَبِيحِ) وَالْجُرْأَةَ فِي مَوْضِعِهَا (فِعْلِ الْمَلِيحِ)، وَذَلِكَ وَفْقَ الْمِيزَانِ التَّالِي:-

 

1- مِيزَانُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ الْقُدْوَةِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

يَقُولُ صَاحِبُ (فَضْلِ اللَّهِ الصَّمَدِ):-

(وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِّنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَهُوَ لَنَا فِي ذَلِكَ قُدْوَةٌ – لَا يَقُومُ دُونَ غَضَبِهِ شَيْءٌ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ).

فَالْمَطْلُوبُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ رِقَّةِ الْقَلْبِ وَالْحَيَاءِ، وَبَيْنَ قُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ فِي الْحَقِّ.

 

2- الضَّابِطُ الْعَمَلِيُّ (مَتَى أَتَكَلَّمُ وَمَتَى أَسْكُتُ؟): اجْعَلْ هَذَا الْحَدِيثَ مِعْيَارًا لَّكَ: عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُم قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ صَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

 (إِنَّ مِّمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِّنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ جَلَالُهُ.

فَإِذَا أَرَدْتَ الْكَلَامَ فِي مَجْلِسٍ أَو إِجَابَةَ سُؤَالٍ، اعْرِضْهُ عَلَى هَذَا الْمِيزَانِ: هَلْ فِيهِ مَا يُسْتَحَى مِّنْهُ شَرْعًا؟ إِذَا كَانَ الْجَوَابُ (لَا)، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ وَتَكَلَّمْ بِمِلْءِ فِيكَ، فَهَذَا هُوَ الِاقْتِصَادُ الْمَحْمُودُ، لَا إِفْرَاطَ فِي الْخَجَلِ وَلَا تَفْرِيطَ فِي سُوءِ الْأَدَبِ.

وَأَنْصَحُكَ بِاتِّخَاذِ صَدِيقٍ حَمِيمٍ، لَهُ مَنْزِلَةٌ لَا بَأْسَ بِهَا فِي الْعِلْمِ وَالْمُحَادَثَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ، فَاصْحَبْهُ فِي الْمَجَالِسِ، وَشَارِكْ مَعَهُ فِيمَا يَدُورُ فِيهَا وَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى.

وَإِنْ كَانَ وَالِدَاكَ فِي الْحَيَاةِ فَاسْأَلْهُمَا الدُّعَاءَ، وَاسْأَلْ مَنْ تَظُنُّ فِيهِمُ الْخَيْرَ وَالصَّلَاحَ الدُّعَاءَ لَكَ؛ لَعَلَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَشْفِيَكَ مِنْ هَذَا.

وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ، عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.