14/2/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخنا الكريم.
سؤالي عن الخوف والهلع.
فتصيب الإنسان في عصرنا الحالي هبات من الخوف والهلع بدون سبب. وهو خوف غير واعي يدخل الفرد في دوامة من القلق ويفصله عن واقعه.
فما هو تفسيره من الناحية الروحية؟
وهل هو جند من جنود الله ، أو ابتلاء أو من الشيطان؟ وكيف نقدر على التمييز.
حفظكم الله شيخنا المبارك،
وبارك في علمكم وعملكم ونيتكم
الاسم: سائل
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ، وَيُنْزِلَ عَلَيْهَا سَكِينَتَهُ، وَيُؤَمِّنَ رَوْعَكُمْ، وَيَحْفَظَكُمْ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَمِنْ كُلِّ سُوءٍ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
الْخَوْفُ بِلَا سَبَبٍ ظَاهِرٍ قَدْ يَكُونُ عَارِضًا نَفْسِيًّا يَحْتَاجُ لِعِلَاجٍ طِبِّيٍّ، أوَ نَزْغًا مِنَ الشَّيْطَانِ لِيُحْزِنَ الْمُؤْمِنَ، وَرُبّمَا بَلَاءٌ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ.
وَالضَّابِطُ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَهَا هُوَ “الْأَثَرُ وَالْمَآلُ”؛ فَإِنْ قَادَكَ الْخَوْفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّعَلُّقِ بِهِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عِقَابِهِ، فَهُوَ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِهِ وَتَنْبِيهٌ، وَإِنْ قَادَكَ لِلْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَوْ تَوَقُّعِ الْمَكْرُوهِ وَالشَّرِّ فَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ.
التَّفْصِيلُ:-
لِتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُبَارَكُ أَنَّ الْإِنْسَانَ كُتْلَةٌ مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَمَا يَعْتَرِي هَذِهِ النَّفْسَ مِنَ “الْقَبْضِ” وَ”الْخَوْفِ” لَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَإِلَيْكَ بَيَانُ بَعْضِهَا:-
أَوَّلًا:- قَدْ يَكُونُ هَذَا الْخَوْفُ مِنْ “كَيْدِ الشَّيْطَانِ” وَتَخْوِيفِهِ: الشَّيْطَانُ حَرِيصٌ عَلَى إِدْخَالِ الْوَهْنِ إِلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، لِيُقْعِدَهُ عَنِ الْعَمَلِ وَيَشْغَلَهُ بِنَفْسِهِ عَنْ رَبِّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ:-
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: 175].
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخَوْفُ يَأْتِيكَ فَجْأَةً لِيَقُولَ لَكَ: (سَيَحْدُثُ مَكْرُوهٌ، لَنْ تَنْجَحَ، اللَّهُ لَا يُحِبُّكَ، الْمُسْتَقْبَلُ مُظْلِمٌ) فَهَذَا وَسْوَاسٌ شَيْطَانِيٌّ عِلَاجُهُ الِاسْتِعَاذَةُ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ يَتَسَلَّطُ الشَّيْطَانُ فَيَصْعُبُ دَفْعُهُ فَتَحْتَاجُ هَذِهِ الْحَالَةُ مُرَاجَعَةَ بَعْضِ الْمَأْذُونِينَ بِالرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْعِلَاجِ الرُّوحِيِّ الشَّرْعِيِّ.
ثَانِيًا:- قَدْ يَكُونُ “اِبْتِلَاءً” وَ “جُنْدًا مِنْ جُنُودِ اللَّهِ” لِلْيَقَظَةِ:
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُرْسِلُ النُّذُرَ لِلْعِبَادِ لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِ، فَرُبَّمَا غَفَلَتِ النَّفْسُ وَرَكَنَتْ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ لَهَا شَيْئًا مِنَ الْخَوْفِ لِيُحْوِجَهَا إِلَى “الِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ”.
يَقُولُ الْحَقُّ عَزَّ شَأْنُهُ:-
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ:155-157].
فَالْخَوْفُ هُنَا اِمْتِحَانٌ لِلصَّبْرِ، وَبَابٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى حِصْنِ اللَّهِ الْحَصِينِ.
ثَالِثًا:- كَيْفَ نُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا؟
إِنَّ التَّمْيِيزَ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إِلَى “ثَمَرَةِ هَذَا الْخَوْفِ” وَنَتِيجَةِ هَذَا الْحَالِ، كَمَا يَلِي:-
1- إِذَا كَانَ الْخَوْفُ يُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ: يَدْفَعُكَ لِزِيَادَةِ الذِّكْرِ، وَالصَّلَاةِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَيَجْعَلُكَ تَفِرُّ مِنْ حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ إِلَى حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، فَهُوَ (جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ) سَاقَكَ إِلَيْهِ بِسَوْطِ الْخَوْفِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ مُبَطَّنَةٌ قَالَ تَعَالَى فِي بَيَانِ بَعْضِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجِنَانِ:-
{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [سُورَةُ الطُّورِ: 25-28].
2- إِذَا كَانَ الْخَوْفُ يُيَئِّسُكَ وَيُبْعِدُكَ: يَجْعَلُكَ تَتْرُكُ الْعَمَلَ، وَتُسِيءُ الظَّنَّ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَنْعَزِلُ عَنِ النَّاسِ يَأْسًا، وَتَتْرُكُ الطَّاعَاتِ، فَهُوَ (مِنَ الشَّيْطَانِ).
3- إِذَا كَانَ الْخَوْفُ مَرَضِيًّا: تُرَافِقُهُ أَعْرَاضٌ جَسَدِيَّةٌ قَهْرِيَّةٌ مِثْلُ (تَسَارُعِ نَبْضٍ شَدِيدٍ، ضِيقِ تَنَفُّسٍ، تَعَرُّقٍ) دُونَ أَيِّ خَاطِرٍ شَرْعِيٍّ أَوْ شَيْطَانِيٍّ، فَهَذَا (اِبْتِلَاءٌ مَرَضِيٌّ) وَعِلَاجُهُ عِنْدَ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ (الْأَطِبَّاءِ) اِمْتِثَالًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّه، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً) الْإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ رَحِمَهُ الْمَنَّانُ جَلَّ جَلَالُهُ.
رَابِعًا:- الْعِلَاجُ النَّاجِعُ لِهَذِهِ الْحَالَةِ:
مَهْمَا كَانَ سَبَبُ الْخَوْفِ، فَإِنَّ الْعِلَاجَ يَكْمُنُ فِي أَمْرَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ:-1- التَّحَصُّنُ بِالذِّكْرِ وَالْعِبَادَةِ وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ كَالرُّقْيَةِ وَأَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَاتِ وَمُلَازَمَةِ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ.
قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:-
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [سُورَةُ الْحِجْرِ: 97-99].
وَأَكْثِرْ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ:-
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ) الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ الْوَدُودُ جَلَّ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
الْحُزْنُ: -بِضَمِّ الْحَاءِ- حَالَةٌ مُؤَقَّتَةٌ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَآبَةِ.
الْحَزَنُ: -بِفَتْحِ الْحَاءِ- هُوَ الْأَسَى وَالْهَمُّ وَالِاسْتِيَاءُ وَالِاكْتِئَابُ الدَّائِمُ مَعَ الْإِنْسَانِ.
3- التَّوَكُّلُ وَالتَّسْلِيمُ: أَنْ تُوقِنَ أَنَّكَ فِي مُلْكِ اللَّهِ، وَلَنْ يَجْرِيَ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ، فَسَلِّمْ أَمْرَكَ إِلَيْهِ وَاعْلَمْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّكَ شَيْءٌ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ.
4- فَعَنْ سَيِّدِنَا اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُم، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ:-
(يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: اِحْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اِسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ: أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اِجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اِجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعَلِيُّ تَبَارَكَ اسْمُهُ.
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ:-
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 10].
وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ، عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.