24/3/2026

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيدي وقرة عيني حضرة الشيخ سعد الله رضي الله تعالى عنكم .

رجل كان يعمل في محل للبنجر في أيام التسعينات فاشتغل لمدة شهر وترك العمل فيقول كنت اشتغل في اليوم خمسة أو ستة دنانير وحين تركت العمل لم أحاسب صاحب المحل فبقي هذا المال في ذمتي وكان عمري في ذلك الوقت ١٢ سنة أفيدونا بارك الله تعالى فيكم.

 

الاسم: سائل

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ.

الرَّدُّ بِاخْتِصَارٍ:-

هَذَا الْمَالُ الَّذِي أَخَذَهُ فِي صِغَرِهِ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَيُقَدِّرُ الْمَبْلَغَ كَمْ يُسَاوِي مِنَ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى هَذَا الْمَحَلِّ وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ:-

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا…) [سُورَةُ النِّسَاءِ: 58].

بِمَا أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ وَهُوَ صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ؛ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ) الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ.

وَعَلَى وَلِيِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِرْجَاعُ الْمَالِ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَبِمَا أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ الْحُلُمَ فَإِنَّ الْمَالَ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ إِلَى أَهْلِهِ.

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ سُبْحَانَهُ:-

(قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ جِنَايَاتِ الصِّبْيَانِ لَازِمَةٌ لَهُمْ) الْمَجْمُوعُ (39/7).

وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ؛ إِذْ إِنَّ الْعُمْلَةَ قَدْ تَغَيَّرَتْ وَأُلْغِيَتْ، فَكَيْفَ يُعِيدُ مَا أَخَذَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ؟ فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْمَالَ مِنْ عُمْلَةٍ أُخْرَى أَوْ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمِثْلُ، فَيُصَارُ إِلَى الْقِيمَةِ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُم.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-

(وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فُلُوسًا.. فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ، وَتُرِكَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا، كَانَ لِلْمُقْرِضِ قِيمَتُهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِهِ أَوِ اسْتَهْلَكَهَا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فِي مِلْكِهِ”. “فَيُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخَذَهَا؟ ثُمَّ يُعْطِيهِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا) الْمُغْنِي بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ (244/4).

وَبِهَذَا الرَّأْيِ أَخَذَتِ الْمَادَّةُ (695) حَيْثُ جَاءَ فِيهَا:-

(إِذَا اسْتَقْرَضَ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنَ الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ وَالنُّقُودِ غَالِبَةِ الْغِشِّ، فَكَسَدَتْ وَبَطَلَ التَّعَامُلُ بِهَا، فَعَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا لَا يَوْمَ رَدِّهَا”….) مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ رَحِمَهُ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ ص114.

 

فَعَلَيْكَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لِتَرُدَّ إِلَيْهِ مَالَهُ إِنْ كَانَ حَيًّا، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِوَفَاتِهِ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ وَرَثَتِهِ، وَإِعْلَامُهُمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَسْلِيمُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ.

أَمَّا إِذَا لَمْ تَعْلَمْ مَكَانَ صَاحِبِ الْمَالِ أَوْ أَحَدًا مِنْ وَرَثَتِهِ وَحَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ ذَلِكَ، فتَصَدَّقْ بِهَذَا الْمَالِ عَنِ الدَّائِنِ فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ مَعَ ضَمَانِهِ إِنْ ظَهَرَ وَارِثٌ يَوْمًا مَا.

قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى الدِّمَشْقِيُّ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ جَلَّ ذِكْرُهُ:-

 ((وَيَتَصَدَّقُ) مَدْيُونٌ (بِدُيُونٍ عَلَيْهِ جُهِلَ أَرْبَابُهَا بِبَلَدِهِ) الَّتِي اسْتَدَانَ مِنْ أَهْلِهَا (نَصًّا). قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: [الدُّيُونُ الْمُسْتَحَقَّةُ كَالْأَعْيَانِ] يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ مُسْتَحِقِّيهَا، وَنَصُّهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ، فَوُكِّلَ فِي دَفْعِهَا، ثُمَّ مَاتَ، وَجُهِلَ رَبُّهَا، وَأُيِسَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، يَتَصَدَّقُ بِهَا الْوَكِيلُ، وَوَرَثَةُ الْمُوَكِّلِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ صَاحِبُهَا فِيهِ حَيْثُ يَرَوْنَ أَنَّهُ كَانَ، وَهُمْ ضَامِنُونَ إِذَا ظَهَرَ لَهُ وَارِثٌ، وَاعْتِبَارُ الصَّدَقَةِ فِي مَوْضِعِ الْمِلْكِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْغَصْبِ وَفِي مَالِ الشُّبْهَةِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ إِذَا جُهِلَ الْقَاتِلُ، وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّ الْغُرْمَ إِنَّمَا اخْتَصَّ بِأَهْلِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَانِيَ أَوْ عَاقِلَةَ الْمُخْتَصِّينَ بِالْغُرْمِ لَا يَخْلُو الْمَكَانُ عَنْهُمْ، فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ الْمَجْهُولِ مَالِكُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِأَهْلِ مَكَانِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى وُصُولِ الْمَالِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ…) مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى (68/4).

وَاللهُ تقدست أسماؤه أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ.