13/5/2026

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الله يحفظكم ويديمكم سيدي وقرة عيني وجميع العاملين في هذا الموقع المبارك.

 

سؤالي هو: هل يجوز للمريض قصر الصلاة قياسا على المسافر بما أن للمسافر رخصة الجمع والقصر؟

وسؤالي يستند إلى مفهوم جواز قصر الصلاة في المرض بقياس الجمع بين العلتين في نص ثابت؛ ذاك أن القرآن العظيم جمع بين العلتين : السفر والمرض ، في الإفطار للصائم ، قال الله عزوجل : ﴿ ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر ﴾، وهذا ما يسمى قياس الجمع، إذ ان ورود العلتين في موضع واحد يدل على انهما في نفس القوة من حيث الاعتبار و قد يكون المرض أقوى من السفر من حيث الاعتبار إلا أنه لم يذكر في القصر كما ذكر السفر لأنه قياس جلي والقرآن العظيم لا يفصل القياس الجلي لان التفصيل في الضروريات ليس من البلاغة في شيء فاذا كان قصر الصلاة في السفر من اليسر فإن قصرها في المرض من اليسر بالضرورة لقوله تعالى : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾

وجزاكم الله تعالى عنا وعن المسلمين كل خير.

الاسم: أبو بكر

 

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى تَعَلُّقِكَ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْمَوْقِعِ الطَّيِّبِ، وَدَعَوَاتِكَ الْكَرِيمَةِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَيَدْفَعَ عَنْكَ كُلَّ ضَيْرٍ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

يَحِقُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَلَكِنْ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ بَعِيدٌ عَنِ الصَّوَابِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

الْقَصْرُ عِبَادَةٌ مَحْدُودَةٌ بِالنَّصِّ (تَوْقِيفِيَّةٌ)؛ قَالَ تَعَالَى:-

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [سُوْرَةُ النِّسَاءِ: 101].

 

وَالْقِيَاسُ فِي تَعَدِّي هَذَا الْحُكْمِ لِغَيْرِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِلْأَسْبَابِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْمَحَاوِرِ الْآتِيَةِ:-

1- إِنَّ مَفْهُومَ الْيُسْرِ يُقَابِلُ الْمَشَقَّةَ، وَلَيْسَتِ الْأَخِيرَةُ عِلَّةً لِلْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ وَصْفٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، فَكَانَ السَّفَرُ بِذَاتِهِ عِلَّةَ الْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلاةِ، وَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ يُشْرَعُ بِالْمَرَضِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- بَيَانًا صَرِيحًا؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ أَعَمُّ وُقُوعًا مِنَ السَّفَرِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ.

 

2- جَمْعُ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ فِي إِبَاحَةِ الْفِطْرِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى تَعَدِّي حُكْمِ الْقَصْرِ؛ فَهُذَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدِّيَ الْأَحْكَامِ حَالَ مُجَاوَرَةِ الْأَشْيَاءِ بِالذِّكْرِ فِي النَّصِّ كَمَا أَنَّ ذِكْرَهُمَا فِي السَّفَرِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُمَا بِنَفْسِ الْقُوَّةِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَمَفْهُومُ الْبَلَاغَةِ أَوِ التَّيْسِيرِ لَا يُعَدُّ دَلِيلًا فِي الْأَحْكَامِ، وَالْعِبَادَاتُ لَا يُتَوَسَّعُ فِيهَا بِالْقِيَاسِ دُونَ دَلِيلٍ، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ تُقَرِّرُ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَهُمَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، كَمَا أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ عَيْنُ الْبَلَاغَةِ.

 

3- قَالَ الْعُلَمَاءُ بِجَمْعِ الصَّلَاةِ حَالَ الْمَرَضِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ ذَلِكَ فِي الْمَطَرِ وَبِدُونِهِ، وَقَالَ بِذَلِكَ  سَادَتُنَا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ فِي قَوْلٍ مُعْتَبَرٍ لَهُمْ؛ أَمَّا قَصْرُ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.

 

4- صُورَةُ التَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى الْمَرِيضِ مَوْجُودَةٌ فِي جَانِبِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ كَالْجُلُوسِ أَوِ الْإِيمَاءِ، لَكِنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ يَبْقَى كَامِلًا، وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا بِالْقِيَاسِ، لَا الْجَلِيِّ وَلَا الْخَفِيِّ.

 

5- قِيَاسُ الْمَرَضِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْقَصْرِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرُ عُلِّقَ بِالسَّفَرِ نَصًّا، وَالْفِطْرَ عُلِّقَ بِالْمَشَقَّةِ، وَلَا يُنْقَلُ حُكْمُ عِبَادَةٍ تَوْقِيفِيَّةٍ مِنْ سَبَبٍ إِلَى آخَرَ بِلَا دَلِيلٍ. فَالْمَرَضُ كَانَ مَوْجُودًا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- وَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَلَمْ يَرِدْ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْمَرَضِ.

وَهَذَا مَا يُسَمَّى عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ-: “تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ”، أَيْ إِنَّ عُمُومَ الْمَرَضِ يَسْتَلْزِمُ الْفِطْرَ لَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَصْرَ لِعدَمِ ذِكْرِهِ فِي مَقَامِ الْقَصْرِ، وَعَلَيْهِ فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الرُّخْصَتَيْنِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.

 

وَاللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.