15/7/2026
نص السؤال:
سيّدي حضرة الشيخ سعد الله حفظكم الله تعالى وبارك في عمركم، سيّدي نسمع المشايخ عن نفي الأغيار وما شابه، فيقول إنّه من الواجب أنْ:
1- لا تحبّ أحدًا أكثر من الله تعالى.
2- وأنْ لا ترضَ بمخالفته لأمر الله تعالى حتى لا تجد غضاضةً في هجره إنْ أصرّ.
3- وأنْ لا يكون عندك فرق بين حضوره وغيابه ولا تلتفت لفراقه.
فهل الأمر الثالث هو أمر مطلوب فعلًا في التصوّف؟
وهل هذا يعني عدم وجود محبة حقيقية بين المخلوقين؟
وكيف نوجّه بعض النصوص الشريفة التي قد يُفهم منها خلاف هذا؟
مثل قوله تعالى: [وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ]، ومثل بكاء سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام على ابنه سيّدنا إبراهيم، وما روي أنّه عليه الصلاة والسلام انتحب على سيدنا زيد بن حارثة وقال: (هذا شوق الحبيب إلى حبيبه).
الاسم: سائل
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُه.
سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ.
المَحَبَّةُ بَيْنَ الخَلْقِ تَجْسِيدٌ لِمَحَبَّةِ الخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ، إِذْ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا تَطْبِيقٌ لِأَمْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْهَا.
قَبْلَ الإِجَابَةِ عَنْ سُؤَالِكَ أَوْدُّ أَنْ أُنَبِّهَ إِلَى أَمْرَيْن:
الأَوَّلُ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ تَبْدَأَ رِسَالَتَكَ بِالسَّلَامِ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ الكَثِيرَةِ الوَارِدَةِ بِهَذَا الخُصُوصِ، مِنْهَا:
قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا:-
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 86].
وَقَوْلُ نَبِيِّنَا الأَكْرَمِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(السَّلاَمُ قَبْلَ الكَلاَمِ) الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ البَارِي سُبْحَانَهُ.
الثَّانِي: لَا أَرَى مِنَ الحِكْمَةِ اسْتِعْمَالَ كَلِمَةِ (التَّصَوُّفِ) فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مَعَ الأَسَفِ لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا، وَهُنَاكَ مَنْ يُحَاوِلُ تَشْوِيهَهَا وَجَعَلَهَا فِي غَيْرِ مَكَانِهَا، لِذَا أَنْصَحُ بِاسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ (التَّزْكِيَةِ) عِوَضاً عَنْهَا؛ فَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُؤَالِكَ: فَإِنَّ الأَصْلَ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:-
{— وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ —} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 165].
فَالمَطْلُوبُ لَيْسَ تَرْكَ مَحَبَّةِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا أَلَّا تُزَاحِمَ مَحَبَّةُ المَخْلُوقِ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا، وَبِالتَّالِي لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَحَبَّةَ الخَلْقِ فِي الأَصْلِ تَابِعَةٌ لِمَحَبَّةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
وَمَحَبَّةُ الخَلْقِ قِسْمَانِ:
1- مَحَبَّةٌ مَذْمُومَةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَدْفَعُكَ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ تُقَدِّمُ رِضَا مَنْ تُحِبُّ عَلَى رِضَا اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سُوْرَةُ التَّوْبَةِ: 23 – 24].
2- مَحَبَّةٌ مَشْرُوعَةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ لِلَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ وَفِي سَبِيلِهِ (كَمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ).
أَوْ مَحَبَّةٌ فِطْرِيَّةٌ أَبَاحَهَا الشَّرْعُ كَمَحَبَّةِ (الوَالِدَيْنِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالأَوْلَادِ، وَالأَصْدِقَاءِ).
هَذِهِ المَحَبَّةُ فِي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا هِيَ ثَمَرَةٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ مَنْ أَمَرَ بِهَا.
وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:-
قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:-
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سُوْرَةُ الحَشْرِ: 9].
وَقَوْلُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:-
(إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ) الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ الوَدُودُ جَلَّ جَلَالُهُ.
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ المَيَامِينِ:-
(إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ —) الإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ المُنْعِمُ جَلَّ وَعَلَا.
وَعَنْ سَيِّدِنَا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-
(أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ) الإِمَامُ ابْنُ مَاجَه رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ، وَيُعْجِبُنِي أَنْ أَنْقُلَ هُنَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ رَبُّ البَرِيَّةِ عَزَّ شَأْنُهُ إِذْ قَالَ:-
(فَإِنَّك إذَا أَحْبَبْتَ الشَّخْصَ لِلَّهِ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ فَكُلَّمَا تَصَوَّرْتَهُ فِي قَلْبِكَ تَصَوَّرْتَ مَحْبُوبَ الْحَقِّ فَأَحْبَبْته فَازْدَادَ حُبُّك لِلَّهِ، كَمَا إذَا ذَكَرْتَ النَّبِيَّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَصْحَابَهُمْ الصَّالِحِينَ وَتَصَوَّرْتَهمْ فِي قَلْبِك فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْذِبُ قَلْبَك إلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِمْ وَبِهِمْ إذَا كُنْتَ تُحِبُّهُمْ لِلَّهِ فَالْمَحْبُوبُ لِلَّهِ يُجْذَبُ إلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالْمُحِبُّ لِلَّهِ إذَا أَحَبَّ شَخْصًا لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَحْبُوبُهُ فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَجْذِبَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكُلٌّ مِنْ الْمُحِبِّ لِلَّهِ وَالْمَحْبُوبِ لِلَّهِ يُجْذَبُ إلَى اللَّهِ) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (10/608).
وَالخُلَاصَةُ: أَنَّ مَحَبَّةَ الخَلْقِ تَكُونُ مَحْبُوبَةً إِذَا كَانَتْ مِنْ أَجْلِ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَمَذْمُومَةً إِذَا كَانَتْ عَائِقًا عَنْهُ سُبْحَانَهُ.
وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَبَارَكَ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الفَضْلِ وَالمَجْدِ.