19/7/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسأل الله ان يحفظكم ويبارك فيكم شيوخنا الافاضل. وجزاكم الله عنا خير الجزاء لما تبذلوه من جهود لايصالنا إلى بر الأمان ورضى الله ..
(اعتذر عن الاطالة )سؤالي هو:
هل يجوز تصوير شخص (امرأة لامرأة أخرى) دون علمها؟ عندما علم انه تم تصويره سكت حياءً وتجنباً للمشاكل، لأن الشخص الذي قام بتصويرهِ من أقربائه.
الاسم: سائلة
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى تَعَلُّقِكَ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْمَوْقِعِ الطَّيِّبِ، وَدَعَوَاتِكَ الْكَرِيمَةِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَيَدْفَعَ عَنْكَ كُلَّ ضَيْرٍ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
تَصْوِيرُ الشَّخْصِ دُونَ عِلْمِهِ أَوْ رِضَاهُ غَيْرُ جَائِزٍ إِذَا كَانَ فِيهِ تَعَدٍّ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ أَوْ مَا يَكْرَهُ، وَسُكُوتُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ حَيَاءً لَا يُعَدُّ إِذْنًا وَلَا رِضًا خُصُوصًا لِلنِّسَاءِ لِأَنَّ أَحْكَامَهُنَّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّتْرِ؛ فَلَا يَنْبَغِي تَصْوِيرُهُنَّ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ مُسْبَقٍ، بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى لِمَا قَدْ يَتْبَعُهُ مِنْ شُرُورٍ، وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَالْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ لَا يَنْبَغِي الْخَجَلُ مِنْ بَيَانِهِ لِلْقَرِيبِ وَالْغَرِيبِ بَلْ يَجِبُ الْإِفْصَاحُ عَنْهُ عَلَى وَصْفِ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْأَدَبِ.
الْأَصْلُ فِي الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ حِفْظُ خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ، وَمَنْعُ التَّعَدِّي عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلِذَلِكَ فَتَصْوِيرُ الشَّخْصِ دُونَ عِلْمِهِ أَوْ رِضَاهُ يَدْخُلُ فِي بَابِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ يُوقِعُهُ فِي الْحَرَجِ أَوْ يَكْشِفُ مَا لَا يُحِبُّ إِظْهَارَهُ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا منَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 12].
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ أَصْلٌ فِي صِيَانَةِ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ، وَفِي هِدَايَاتِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أَصْلٌ عَامٌّ فِي مَنْعِ التَّتَبُّعِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ النَّاسُ إِظْهَارَهُ.
وَكَذَا يُمْكِنُ الِاسْتِئْنَاسُ بِآيَةِ الِاسْتِئْذَانِ، وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [سُورَةُ النُّورِ: 27].
هَذِهِ الْآيَةُ تُقَرِّرُ أَصْلًا عَامًّا هُوَ احْتِرَامُ خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَعَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَحْوَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِذَا كَانَ الشَّرْعُ قَدْ مَنَعَ الدُّخُولَ إِلَى الْبَيْتِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ صِيَانَةً لِلْخُصُوصِيَّةِ، فَالتَّصْوِيرُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عِلْمِ الشَّخْصِ، لِأَنَّهُ نَوْعُ اطِّلَاعٍ وَتَسْجِيلٍ لِهَيْئَتِهِ قَدْ يَبْقَى وَيُنْقَلُ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ قَوْلُ سَيَّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ الْبَارِي.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: التَّشْدِيدُ فِي مَنْعِ التَّطَلُّعِ إِلَى خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَ آلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرَامِ:-
(يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ…) الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا الْمَعْبُودُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ تَتَبُّعَ أَحْوَالِ النَّاسِ أَوْ كَشْفَ مَا يَكْرَهُونَ دَاخِلٌ فِي الْأَذَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَعَلَيْهِ: لَا يَجُوزُ تَصْوِيرُ شَخْصٍ دُونَ عِلْمِهِ أَوْ رِضَاهُ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ انْتِهَاكٌ لِخُصُوصِيَّتِهِ أَوْ مَا يَكْرَهُ إِظْهَارَهُ.
وَيَزْدَادُ الْمَنْعُ إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ بِقَصْدِ الِاحْتِفَاظِ بِالصُّورَةِ أَوْ نَشْرِهَا أَوْ اسْتِخْدَامِهَا بِطَرِيقَةٍ قَدْ تُحْرِجُ صَاحِبَهَا.
أَمَّا سُكُوتُ الشَّخْصِ الْمُصَوَّرِ حَيَاءً أَوْ تَجَنُّبًا لِلْمَشَاكِلِ فَلَا يُعَدُّ إِذْنًا شَرْعِيًّا بِالتَّصْوِيرِ، لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يَكُونُ عَنْ حَرَجٍ أَوْ حَيَاءٍ، لَا عَنْ رِضًا حَقِيقِيٍّ، وَالسَّادَةُ الْفُقَهَاءُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ يُقَرِّرُونَ أَنَّ السُّكُوتَ فِي مَعْرِضِ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا إِذَا وُجِدَ مَانِعٌ كَالْحَيَاءِ أَوِ الْخَوْفِ.
وَالْأَوْلَى شَرْعًا وَأَدَبًا أَنْ يُسْتَأْذَنَ الشَّخْصُ قَبْلَ تَصْوِيرِهِ، خُصُوصًا بَيْنَ الْأَقَارِبِ، لِأَنَّ الْقَرَابَةَ أَوْلَى بِمُرَاعَاةِ الْمَشَاعِرِ وَصِيَانَةِ الْخُصُوصِيَّةِ، كَمَا يَنْبَغِي لِمَنْ رَأَى مُخَالَفَةً شَرْعِيَّةً تَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يُصَحِّحَ نِيَّتَهُ وَيَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَيَقُومَ بِوَاجِبِ النَّصِيحَةِ عَلَى وَصْفِ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْأَدَبِ فَبِهَذِهِ الْأَرْكَانِ تَأْتِي النَّصِيحَةُ ثَمَرَتَهَا بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ.
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ المُرَقَّمِ (1837) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَلِتَمَامِ الْفَائِدَةِ أَذْكُرُ بَعْضَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي أَصَّلَهَا السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:-
1- الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْأَنْفُسِ وَالْأَعْرَاضِ الْحُرْمَةُ.
أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ صِيَانَةُ الْإِنْسَانِ وَخُصُوصِيَّتُهُ، فَلَا يُتَصَرَّفُ فِي شَأْنِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
2- لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.
وَالتَّصْوِيرُ دُونَ إِذْنٍ قَدْ يُوقِعُ الضَّرَرَ الْمَعْنَوْيَّ أَوِ الْحَرَجَ.
3- التَّصَرُّفُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِذْنِهِ.
لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ حَقًّا فِي صُورَتِهِ وَخُصُوصِيَّتِهِ.
4- الضَّرَرُ يُزَالُ.
فَإِذَا كَانَ فِي التَّصْوِيرِ حَرَجٌ أَوْ أَذًى وَجَبَ مَنْعُهُ أَوْ إِزَالَةُ أَثَرِهِ.
وَفِي هَذَا التَّوْضِيحِ كِفَايَةٌ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.