23/7/2026
نص السؤال:
بسبب الشغل صليت المغرب في وقت متأخر وأنا في الركعة الثانية إذن العشاء هل صلاتي صحيحة أو أعيد الصلاة.؟
الاسم: سائل
السَّلَامُ عَلَيْكُمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَشْكُرُ تَوَاصُلَكَ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ سَائِلًا الْمَوْلَى الْقَدِيرَ لَكَ التَّوْفِيقَ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
صَلَاتُكَ صَحِيحَةٌ لِأَنَّكَ أَدْرَكْتَ آخِرَ الْوَقْتِ بِأَدَاءِ رَكْعَةٍ مِنْهَا وَهِيَ تَكْفِي لِتَكُونَ أَدَاءً لَا قَضَاءً فِي أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ.
قَبْلَ الإِجَابَةِ عَنْ سُؤَالِكَ أَوْدُّ أَنْ أُنَبِّهَ إِلَى أَمْرٍ:
كُنْتُ أَرْجُو أَنْ تَبْدَأَ رِسَالَتَكَ بِالسَّلَامِ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ الكَثِيرَةِ الوَارِدَةِ بِهَذَا الخُصُوصِ، مِنْهَا:
قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا:-
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 86].
وَقَوْلُ نَبِيِّنَا الأَكْرَمِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(السَّلاَمُ قَبْلَ الكَلاَمِ) الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ البَارِي سُبْحَانَهُ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِسُؤَالِكَ:
قَالَ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ:-
{فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [سُوْرَةُ النِّسَاءِ: 103].
الصَّلَاةُ عِبَادَةٌ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَقَدْ حَدَّدَ لَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَوَاقِيتَهَا وَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَآخِرَهُ، وَيَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَحْرِصَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَدَائِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، حَيْثُ يَقُولُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامُ- لَمَّا سُئِلَ:-
(أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ») الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ اسْمُهُ.
وَفِي بَيَانِ جَانِبٍ مِنْ تَيْسِيرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ فِي إِدْرَاكِ الْوَقْتِ يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ الْمُمَجَّدُ جَلَّ شَأْنُهُ.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامُ:-
(مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ.
وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَكَذَا مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ صَلَّى الصَّلَاةَ كُلَّهَا فِي وَقْتِهَا أَدَاءً، أَيْ مُدْرِكًا لِلْفَضْلِ وَالْأَجْرِ.
وَكَذَا يُقَالُ لِمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ كَمَا جَاءَ فِي السُّؤَالِ، عِلْمًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّكْعَةِ هُنَا الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ الْعَلِيمُ الْعَلَّامُ سُبْحَانَهُ-، فَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ “الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ” -وَهُوَ مِنْ كُتُبِ السَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي ذِكْرِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ مَا نَصُّهُ:-
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ سَلَامِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا فِي الصَّحِيحِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- تَبْطُلُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِيهَا، وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حَيْثُ عَمِلَ بِهِ فِي الْعَصْرِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي الصُّبْحِ) يُنْظَرْ: (2/23).
وَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ هُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْكَاسَانِيُّ الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:-
(أَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَحِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَكَذَا حَدِيثُ جِبْرِيلَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا، وَالصَّلَاةُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَتْ بَيَانًا لِأَوَّلِ الْوَقْتِ. وَأَمَّا آخِرُهُ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْتُهَا مَا يَتَطَهَّرُ الْإِنْسَانُ وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَيُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ قَضَاءً لَا أَدَاءً عِنْدَهُ لِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْمَرَّتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
(وَلَنَا) أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَخِّرْهُ جِبْرِيلُ عَنْ أَوَّلِ الْغُرُوبِ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ الْغُرُوبِ مَكْرُوهٌ إلَّا لِعُذْرٍ، وَأَنَّهُ جَاءَ لِيُعَلِّمَهُ الْمُبَاحَ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ الْعَصْرَ إلَى الْغُرُوبِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ إلَيْهِ؟ وَكَذَا لَمْ يُؤَخِّرْ الْعِشَاءَ إلَى مَا بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ بِالْإِجْمَاعِ) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ فِي تَرْتِيبِ الشَّرَائِعِ (1/132).
فَأَرَى وَاللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ صِحَّةَ صَلَاتِكَ وَلَا حَاجَةَ لِلْإِعَادَةِ عَمَلًا بِالتَّيْسِيرِ، وَالْأَخْذِ بِأَيْسَرِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَدْ كَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا.
هَذَا وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.